وتوضح حالة علي حسن خليل آلية هذا التحكم المزدوج عملياً. فحين كان وزيراً للصحة العامة بين 2011 و2014، حظر استيراد وبيع السجائر الإلكترونية والأرجيلة الإلكترونية، مستنداً إلى المخاطر الصحية. لكن بعد انتقاله إلى وزارة المالية عام 2014، حيث بات يعمل مباشرةً مع الريجي، عارض مقترحات زيادة الضرائب على التبغ، وأشرف على إعادة إدخال السجائر الإلكترونية تدريجياً إلى السوق، وأصبح مدافعاً علنياً عن الريجي وقيادتها. المسؤول نفسه الذي قيّد منتجات النيكوتين بدافع صحي غيّر موقفه عندما شغل الوزارة التي تتقاطع مصالحها المؤسسية مع مصالح الاحتكار.
حول هذا المركز المؤسسي، بنت الريجي اللبنانية للتبغ والتنباك شبكة مترابطة تمزج بين القوة الاقتصادية والعمل الرعائي والنفوذ الانتخابي. ويصف الخبير الاقتصادي علي عبود (لا صلة قرابة له بعضو مجلس إدارة الريجي) احتكاراً «يتحكم بالترخيص والإنتاج والإعلان والتسعير… في كل الجوانب» وهو «مرتبط سياسياً بشكل واضح». ويضيف أنه خارج أسوار المصنع، «لدى الريجي برامجها الاجتماعية الخاصة: تقدّم منحاً دراسية، تبني مكتبات عامة، تعتني بالحدائق… وتدعم مرشحي المجالس البلدية في بعض قرى الجنوب». ويرى عبود أن ذلك يخلق شبكة من العلاقات السياسية والاجتماعية تتيح التأثير في السياسات والنتائج. ففي دولة تراجعت إلى حد بعيد عن مسؤولياتها التنموية في الأطراف، تشكّل هذه الأنشطة أحد مكونات الآلية الأوسع التي تُرسّخ من خلالها حركة أمل الولاء في جنوب لبنان والبقاع.
ويُوضَع مزارعو التبغ في قلب هذا المسرح السياسي. فقد دأب بري على تصوير المحصول بوصفه رمزاً للصمود والمقاومة، مقدِّماً المزارعين كـ«حرّاس» للحدود والكرامة الوطنية. ويعيد كتاب مازن عبّود إنتاج هذه السردية بإسهاب، رابطاً بين انتفاضات التبغ الشيعية في القرن التاسع عشر وسياسات الريجي المعاصرة. ويُستدعى هذا التاريخ المؤمثَل كلما طُرحت إجراءات للحد من التبغ، بحيث تُصوَّر أي زيادة ضريبية أو إصلاح تنظيمي كاعتداء على أرزاق مجتمع مُهمَّش تاريخياً.
غير أن الأرقام تُربك هذه السردية. فإحصاء أجرته وزارة الزراعة قبل الأزمة قدَّر عدد مزارعي التبغ المتفرغين بنحو 11 ألف. وحتى باعتماد الرقم الأعلى (أي 25 ألف) فإن هؤلاء المزارعين، إلى جانب العاملين في وظائف مرتبطة بالريجي، كانوا يشكّلون نحو 1% فقط من القوى العاملة في لبنان عام 2019. كما أن الدعم الزراعي المخصص للمزارعين اليوم أدنى مما كان عليه في أي مرحلة من تاريخ الريجي. وكان خبراء في الصحة العامة واقتصاديون تحدثوا إلى «البديل» واضحين في تقييمهم: يُستَخدم المزارعون كدروع بشرية لحماية صناعة تقتل آلافاً من مواطنيهم سنوياً.
والنتيجة بنية سياسية تجعل كل أدوات الإصلاح من الضرائب إلى التنظيم إلى الشفافية، تمر عبر مؤسسات يسيطر عليها الفصيل الأكثر مصلحة في تعطيلها. فلا يمكن لوزارة المالية أن تقود إصلاحاً ضريبياً على التبغ وهي بيد حلفاء الاحتكار الذي يُفترض أن تشرف عليه. ولا يمكن للبرلمان أن يسنّ تشريعات فاعلة للحد من التبغ بينما رئيسه بنى جزءاً أساسياً من قاعدته السياسية على هذا القطاع. كما لا يُنتظر من الريجي أن تكبح توسعها الذاتي في وقت يستفيد الفصيل المسيطر عليها من كل توسّع إضافي.
عدد الضحايا
يدخّن اثنان من كل ثلاثة بالغين في لبنان. فقد أظهر الاستطلاع التي أجرته الجامعة الأمريكية في بيروت في 2024 أن 66% من اللبنانيين يستخدمون التبغ بانتظام: 76% من الرجال و56% من النساء. ومن بين مدخني السجائر أفاد 97% بأنهم يدخنون يومياً، بمتوسط استهلاك يبلغ تسع علب أسبوعياً. ولم تختلف معدلات التدخين بشكل يُذكر بين فئات الدخل أو مستويات التعليم، كما بقيت مرتفعة على نحو ثابت في جميع الفئات العمرية بين 18 و64 عاماً. والأخطر أن سنّ بدء التدخين آخذ في الانخفاض. فبالنسبة لمن وُلدوا بعد عام 1990، يقل متوسط سنّ البدء عن 18 عاماً، أي دون السن القانونية لشراء التبغ.
هذه ليست أرقام دولة حاولت وفشلت في خفض معدلات التدخين. إنها أرقام دولة لم تحاول جدياً أصلاً.
كما أن العبء الاقتصادي لهذه العادة ثقيل على كثير من الأسر. فبمتوسط تسع علب أسبوعياً، وبالأسعار الحالية، ينفق المدخن العادي ما بين 40 و60 دولاراً شهرياً على السجائر. وفي بلدٍ تتراوح فيه مداخيل شريحة واسعة من السكان بين https://www.anera.org/blog/the-cost-of-living-in-lebanon-in-2024/200 دولار و 400 دولار شهرياً، يمكن أن يستهلك التبغ ما بين 15% و20% من ميزانية الأسرة ذات الدخل المحدود، أي أن هناك أموال تُقتطع من الغذاء والدواء وتعليم الأطفال لتمويل منتج قاتل بالنسبة للكثيرين. فالإدمان ليس مجرد أزمة صحية بل هو فخّ فقر، والدولة تجني عائداته.
وتقدّر الدراسات المتحفظة عدد الوفيات السنوية المنسوبة إلى التبغ في لبنان بما بين 5300 و9200 حالة. ويعكس هذا التفاوت اختلاف المنهجيات، لكن حتى الحد الأدنى يُعدّ مرتفعاً للغاية في بلد لا يتجاوز عدد سكانه نحو خمسة ملايين نسمة. للمقارنة، قُدّر عدد ضحايا الحرب الأهلية بين 100 و150 ألف شخص خلال خمسة عشر عاماً. وإذا ما امتدت الوفيات السنوية الناجمة عن التدخين على الفترة نفسها، فإن الحصيلتين تقتربان من التساوي. الفارق أن الحرب انتهت، فيما تستمر وفيات التبغ عاماً بعد عام، بلا هدنة في الأفق.
وقدّرت دراسة حالة استثمارية صدرت عام 2024 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العامة اللبنانية الكلفة الاقتصادية لأضرار التبغ بنحو 140 مليون دولار سنوياً، أي ما يعادل 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، تشمل تكاليف الرعاية الصحية المباشرة وخسائر الإنتاجية الناتجة عن الأمراض المرتبطة بالتبغ والوفيات المبكرة. وعند مقارنة هذا الرقم بـ402 مليون دولار جمعتها الدولة من التبغ عام 2024، يتبين أن أكثر من ثلث الإيرادات يُستهلك في معالجة الأضرار التي يتسبب بها المنتج نفسه، وهذا قبل احتساب المعاناة الإنسانية التي لا تُقاس بالأرقام. ووجدت الدراسة ذاتها أن تطبيق سياسات مكافحة التبغ التي توصي بها منظمة الصحة العالمية يمكن أن يجنب لبنان أكثر من 400 مليون دولار من الخسائر الاقتصادية، وينقذ 40 ألف حياة خلال خمسة عشر عاماً. كما قدّرت أن زيادة أسعار السجائر بنسبة 50% وحدها من شأنها أن تمنع 17 ألف وفاة بين أفقر خمس السكان دخلاً، مقابل 9 ألف وفاة بين أغناهم.
ويضاعف التوقيت من فداحة الصورة. فقد ارتفعت معدلات التدخين خلال الأزمة المالية، إذ دفعت الصدمة الاقتصادية والضغوط النفسية مزيداً من اللبنانيين إلى التبغ، وهذا يتسق مع أبحاث عالمية تُظهر أن حالات التوتر الشديد والصدمة والنزوح تزيد استهلاك التبغ. كما أن حرب 2024 مع إسرائيل، التي أدت إلى نزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، ضاعفت من هذه الضغوط. فإن إيرادات الريجي ترتبط بشكل بنيوي مع معاناة اللبنانيين: كلما ساءت الأوضاع زاد الاستهلاك، وارتفعت أرباح الاحتكار.
وقد وقّع لبنان على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ في 2005، وهي معاهدة تُلزم الدول الموقّعة باتخاذ تدابير تشمل فرض ضرائب مرتفعة على التبغ وحظراً شاملاً للإعلانات ومساحات عامة خالية من التدخين وتحذيرات صحية بارزة على العبوات. لكن لبنان لا يزال، بعد ما يقرب من عقدين، من الدول ذات أدنى الضرائب على التبغ وأعلى معدلات تدخين في العالم. فهو دولة موقّعة تمتلك الصناعة التي صُممت المعاهدة لتقييدها، وهذا التضارب في المصالح يجعل الالتزام، عملياً، بلا مضمون.
لماذا لا شيء يتغير
لم يفتقر لبنان إلى مقترحات لمكافحة التبغ بل إلى الشروط السياسية التي تسمح لأي منها بالاستمرار.
عند توقيعه على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية عام 2005 التزم لبنان بجملة من الإجراءات منها فرض قيود على الإعلانات وإنشاء مساحات خالية من التدخين ووضع تحذيرات صحية بارزة على العبوات، والأهم فرض ضرائب مرتفعة على التبغ. وفي عام 2012 أقرّ البرلمان القانون رقم 174 وهو تشريع شامل لمكافحة التبغ أسس لحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة وقيّد الإعلانات وألزم بوضع تحذيرات صحية مصوّرة على علب السجائر. على الورق كان من بين أقوى قوانين مكافحة التبغ في المنطقة. أما عملياً فكان التنفيذ شبه معدوم: لا يزال التدخين شائعاً في المطاعم والمقاهي والمكاتب، وتمّ تعليق العمل بالتحذيرات المصوّرة بهدوء بعد معارضة من الريجي وحماتها السياسيين. القانون قائم أما تطبيقه في معظم الأحوال معدوم.
أما المقترحات الضريبية فكان مصيرها أسوأ. فرغم الإجماع البحثي على أن الضرائب الانتقائية هي الأداة الأكثر فاعلية لخفض الاستهلاك، ورغم إقرار مازن عبّود نفسه في كتابه بأن الزيادات التدريجية في الضرائب فعالة والزعم بأنها «غير عادلة» مبالغ فيه، فإن كل محاولة جدية لرفع معدلات الضريبة على التبغ أُجهضت وكان مصدر التعطيل ثابتاً: الريجي وحلفاؤها في البرلمان ووزارة المالية.
واستند الدفاع إلى سردية مألوفة. الحجة الرئيسية أن زيادة الضرائب ستدفع المستهلكين إلى السوق غير المشروعة ما يُفقد الخزينة الإيرادات من دون خفض معدلات التدخين. ويعيد كتاب عبّود استحضار قصة معروفة: ففي عام 1999 حين رفعت حكومة الرئيس سليم الحص رسوم استيراد التبغ من 35% إلى 138% دفعة واحدة، ازداد التهريب ولم تنخفض معدلات التدخين. وقد عارضت قيادة الريجي، بدعم من رئيس مجلس النواب نبيه بري، هذه الزيادة آنذاك محذّرة من تنشيط السوق السوداء وبدا أن التطورات أعطت تحذيراتها مصداقية.
لكن الدرس الذي استُخلص (أي عدم رفع الضرائب مطلقاً) هو بالضبط ما يخدم مصالح الريجي. فما أثبتته تلك التجربة فعلياً هو أن مضاعفة الرسوم ثلاث مرات بين ليلة وضحاها دون بنية تحتية للإنفاذ وبالتزامن مع إنشاء منطقة تجارة حرة على الحدود السورية، سيؤدي إلى تفشي التهريب. لكنه لا يقول شيئاً عن أثر زيادات تدريجية ومنضبطة في الضرائب الانتقائية، من النوع الذي خفّض معدلات التدخين في عشرات الدول. بل إن محاسب الريجي نفسه أبلغ «البديل» أن دينامية التهريب انعكست خلال الأزمة المالية: فبدلاً من دخول السجائر المهرّبة إلى لبنان، باتت السجائر المُصنَّعة محلياً تُهرَّب إلى الخارج، بعدما جعل انهيار العملة الإنتاج المحلي شديد الانخفاض الكلفة. اي أن التهريب ليس «قانوناً حديدياً» كما تصفه الريجي بل ظاهرة انتهازية تعتمد على السياق، ويمكن احتواؤها مع تطور أدوات الرقابة.
وفي تمّوز 2025، أعلن وزير المالية ياسين جابر تركيب أجهزة مسح للحاويات في مرفأي بيروت وطرابلس ضمن خطة مكافحة الفساد المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، ما عزز قدرات التفتيش بصورة ملموسة. وكما قال الخبير الاقتصادي الزراعي علي شلق لـ«البديل»، فإن هذه التقنيات «تترك للحكومات المركزية هامش أعذار أضيق فأضيق لتفادي رفع الضرائب بذريعة التهريب».
ويمنح النظام القائم الريجي ما وصفه الاقتصادي علي عبود بـ«هامش حركة مفرط» يتيح لها طمس الفروق بين الكلفة والضرائب وهوامش الربح. أما الضريبة الانتقائية وهي رسم ثابت يُفرض على كل وحدة ويُحصَّل قبل وصول المنتج إلى المستهلك، فستفرض الوضوح الذي صُمم النظام الحالي لتجنبه. فالدولة هي التي تحدد المعدل والدولة هي التي تجبي الإيراد، أما دور الريجي يُختزل إلى دور المُصنِّع المحتكر: الإنتاج لا تحديد نسبة العائد التي تصل إلى الخزينة العامة.
النمط عبر عقدين واضح: تدخل المقترحات إلى النظام وتخرج منه منزوعة الفاعلية. البنية السياسية التي وثّقها هذا التحقيق، فصيل يسيطر على الاحتكار والوزارة معاً، مزارعون يُستدعون كدروع، والتهريب يُقدَّم كعائق غير قابل للكسر، ليست مصادفة متكررة. إنها منظومة تعمل كما صُممت.
كسر العادة
لا يوجد ما هو غامض في كيفية خفض استهلاك التبغ. فمجموعة أدوات السياسات معروفة جيداً، ومجرَّبة عالمياً، ومدعومة بعقود من الأدلة من دول على اختلاف مستويات دخلها. الأداة الأكثر فاعلية هي ضريبة انتقائية تصاعدية على كل وحدة، أي رسم ثابت يُفرض على كل علبة سجائر، تُحصِّله الدولة ويزداد سنوياً بوتيرة تتجاوز التضخم. ويجب أن تُطبَّق الضريبة بشكل موحّد على جميع العلامات التجارية لسدّ ثغرات الاستبدال التي كشفتها الأزمة اللبنانية بالفعل: فعندما تصبح «سيدرز» قريبة في قيمتها الحقيقية من «مارلبورو» لكنها تبقى أرخص اسمياً، لا يُقلع المدخنون عن التدخين بل يلجأون إلى متنجات أقل تكلفة. الضريبة الانتقائية الموحدة تُغلق هذا المخرج.
الفوائد البنيوية لا تقل أهمية. فالضريبة الانتقائية تُجبى مباشرة من الدولة عبر آلية شفافة، ولا تمرّ عبر الحساب التشغيلي لاحتكار يقتطع نفقاته قبل تحويل ما يتبقى إلى الخزينة. بعبارة أخرى، من شأنها أن تعكس المسار الذي وثّقه هذا التحقيق: إعادة إيرادات التبغ إلى قنوات الضرائب المباشرة بدلاً من بقائها ضمن هامش السيطرة التقديرية للريجي. الدولة تحدد المعدل، الدولة تجبي الإيراد، ويستطيع الرأي العام أن يرى بدقة حجم الأموال المحصلة ووجهة إنفاقها.
أما العائد الصحي فهو واضح ويميل لمصلحة الفئات الأفقر. فالمدخنون ذوو الدخل المحدود أكثر حساسية لارتفاع الأسعار وأكثر ميلاً للإقلاع عندما ترتفع كلفة السجائر. وأظهرت دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المشار إليها سابقاً أن زيادة الأسعار بنسبة 50% قد تمنع ما يقارب ضعف عدد الوفيات بين أفقر خمس السكان مقارنةً بأغناهم. والقول إن ضرائب التبغ «رجعية» لأنها تثقل كاهل الفقراء يتجاهل وفورات تفادي المرض وتفادي الإنفاق الصحي الكارثي وتفادي الوفاة المبكرة، وهي وفورات تتراكم بأثر أكبر لدى من الفئات الأقل دخلاً.
ولا يتطلب هذا المسار تفكيك الريجي بين ليلة وضحاها أو التخلي عن المزارعين الذين يعتمدون على زراعة التبغ. فالخبير الاقتصادي علي عبود، الذي درس قطاع التبغ اللبناني بعمق، يؤكد أن عقود الدعم والإعانات يمكن إعادة تصميمها وأن برامج تنويع المحاصيل قادرة على دعم المزارعين في مرحلة انتقالية، وأن العائدات الإضافية من الضرائب المرتفعة كافية لتغطية كلفة هذا التحول. حتى مازن عبّود يقرّ في كتابه بأن الزيادات التدريجية في الضرائب قابلة للتطبيق وأن الاعتراض القائم على «رجعيتها» لا يصمد أمام التحليل. حُسم الجدل من الناحية الفكرية. وما يبقى هو العائق السياسي.
يحكم لبنان اليوم عهد جديد أعلن اهتمامه بالإصلاح المؤسسي في القطاع العام. ويشترط برنامج صندوق النقد الدولي الشفافية المالية وتدابير مكافحة الفساد. كما يجري تركيب أجهزة مسح حديثة في المرافئ. وللمرة الأولى منذ سنوات، تبدو شروط إصلاح ضرائب التبغ ممكنة نظرياً.
لكن الممكن نظرياً ليس مرجّحاً سياسياً، ما دامت وزارة المالية بيد الفصيل الذي يسيطر على الاحتكار، وما دام رئيس مجلس النواب يرأس المؤسسة التي يُفترض أن تشرّع الضريبة، وما دام 25 ألف مزارع يُستدعون كدروع سياسية في مواجهة أي تغيير يمسّ الوضع القائم.
بدأ هذا التحقيق بمقارنة: يقتل اقتصاد التبغ سنوياً عدداً من اللبنانيين يقارب ما أودت به الحرب الأهلية في ذروة سنواتها. الفارق أن الحرب، على كل فظاعتها، لم تكن نموذجاً اقتصادياً. أما التبغ فهو كذلك. إنه يدرّ إيرادات للدولة، وأرباحاً للاحتكار، ورأسمالاً سياسياً لفصيل بعينه ويخلّف، كأثر جانبي معروف للجميع لكن بلا مساءلة حقيقية، الإدمان الجماعي والمرض والموت المبكر.
فإمكان الدولة أن تواصل إدارة هذا الترتيب أو أن تعتمد السياسات التي أثبتت فعاليتها في عشرات الدول، فترفع إيراداتها وتحمي حياة اللبنانيين في آن واحد. الأدوات موجودة. الأدلة واضحة. والسؤال ليس تقنياً بل سياسي: هل تتوافر الإرادة لاستخدامها، أم ستنتصر مرة أخرى مصالح المستفيدين من النظام القائم، كما حدث طوال عقدين؟
ملاحظة المحرر:
يودّ فريق البديل | معهد السياسة البديلة أن يتقدم بالشكر لـ: علي عبود، د. علي شلق، د. ريما نقاش، د. نسرين سلطي، ود. غازي زعتري، على وقتهم وعلى ما قدّموه بسخاء من خبرات ورؤى لهذا التحقيق.
كما يعرب البديل | معهد السياسة البديلة عن تقديره لموظفي قسمي المحاسبة والاتصالات في الريجي اللبنانية للتبغ والتنباك لتعاونهم في إتاحة المعلومات اللازمة لإعداد هذا التقرير.
ونتوجّه بالشكر إلى بيرلا خالد وسيغولين ماثيلين لمساهمتهما في العمل البحثي، وإلى ألكسندروس شازيباناجيوتو على إعداد الرسومات البيانية.