تحذير: استمرار التدخين يؤدي إلى تمويل الدولة

كيف أدمنت خزينة لبنان أرباح التبغ على حساب المواطنين

ملخص تنفيذي

لا تكتفي الحكومة اللبنانية بفرض الضرائب على التبغ، بل تقوم أيضاً بتصنيع السجائر وتوزيعها وجني الأرباح من معظم ما يُدخَّن منها في لبنان اليوم. فمن خلال احتكارها المملوك بالكامل للدولة أي «الريجي” (إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية) تسيطر الدولة على صناعة تقتل، وفق تقديرات متحفظة، ما بين 5300 و9200 لبناني سنوياً. وللمقارنة: يُقدَّر عدد ضحايا الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990 بما يتراوح بين 100 و 150 ألف شخص. وإذا ما جرى احتساب الوفيات السنوية الناجمة عن التدخين على مدى 15 عاماً، فإن الحصيلتين تصبحان متقاربتين. صحيح أن عنف الميليشيات خلال الحرب الأهلية كان مروعاً، لكنه كان متوقعاً في سياق تمارس فيه الميليشيات العنف. أما ما لا يتوقعه الناس هو أن تبيعهم حكومتهم منتجاً مُسبباً للإدمان يقتلهم بأعداد مماثلة تقريباً.

منذ الأزمة المالية عام 2019، تعمّق اعتماد الحكومة على هذه الصناعة القاتلة بشكل ملحوظ. فقد ارتفعت إيرادات التبغ من أقل من 4% من الموازنة العامة قبل الانهيار الاقتصادي إلى أكثر من 10% بحلول عام 2024. كما تغيّر مصدر هذه الإيرادات بصورة جذرية. فقبل الأزمة، كانت وزارة المالية تجبي نحو خمسة دولارات ونصف مباشرة عبر الرسوم الجمركية والضرائب مقابل كل دولار تحوّله الريجي إلى الخزينة. وبحلول عام 2024، انعكست المعادلة: نحو 60% من إيرادات الدولة من التبغ باتت تأتي من أرباح الريجي، لا من الضرائب المباشرة.

الشفافية تتوقف عند النقطة التي تبدأ عندها الأسئلة الأكثر حساسية، حيث شروط اتفاقيات الترخيص مع شركات التبغ متعددة الجنسيات لا تزال غير معلنة.

لم يكن هذا التحول عرضياً. ابتداءً من عام 2016 أبرمت الريجي اتفاقيات ترخيص مع شركات تبغ عابرة للحدود لتصنيع علاماتها التجارية محلياً، ما نقل الإنتاج من واردات خاضعة للضرائب إلى سلسلة إنتاج تسيطر عليها الريجي بالكامل. ثم جاءت الأزمة المالية لتُسرّع هذا التوجه: فقد جعل انهيار العملة تكاليف الإنتاج المحلي منخفضة للغاية بالنسبة للشركات الأجنبية، فيما كانت معايير التصنيع لدى الريجي تستوفي المقاييس الدولية.

النتيجة اليوم أن أكثر من 99% من السجائر المباعة في لبنان تُصنّع محلياً عبر الريجي، وهذه حقيقة لا يدركها معظم اللبنانيين. فقد بلغ لبنان مستوى عالياً من الإتقان التقني في صناعة تتسبب في وفيات يمكن تجنبها بالكامل.

خلال هذه المرحلة بأكملها، أي من اتفاقيات الترخيص إلى تكريس الاحتكار في ظل الأزمة، كان فصيل سياسي واحد ممسكاً بالطرفين. فقد سيطرت حركة أمل برئاسة رئيس مجلس النواب نبيه بري على الريجي منذ مرحلة ما بعد الحرب الأهلية. ومنذ عام 2014، تولّى وزراء محسوبون على الحركة وزارة المالية بشكل متواصل. وبذلك بقيت الوزارة المفترض أن تشرف على الريجي خاضعة للفصيل ذاته الذي يدير الريجي نفسها، طوال الفترة التي انتقلت فيها إيرادات التبغ من الضرائب العامة إلى أرباح الاحتكار. في المقابل ارتفعت معدلات التدخين في لبنان. فقد زادت خلال الأزمة المالية ومع موجات النزوح الناتجة عن حرب 2024 مع إسرائيل، إذ تُظهر الأدبيات أن الضغوط الاقتصادية والنفسية عامل موثّق في ارتفاع استهلاك التبغ. وبذلك تصبح إيرادات الريجي، بنيوياً، مرتبطة بمعاناة اللبنانيين.

لم يكن هذا المسار حتمياً. هناك أداة مثبتة عالمياً قد ترفع إيرادات الدولة وتنقذ الأرواح في آن معاً: وهي فرض ضريبة انتقائية تصاعدية على كل وحدة من منتجات التبغ. الأدلة قاطعة، وقد أقرّ حتى بعض أعضاء مجلس إدارة الريجي بأن الزيادات التدريجية في الضرائب ستكون فعالة. إلا أن كل محاولة جدية لرفع الضرائب على التبغ في لبنان جرى تعطيلها، وكان التعطيل يصدر باستمرار عن الحلقة المؤسسية والسياسية ذاتها المستفيدة من الوضع القائم.

الخيار أمام لبنان واضح أخلاقياً. فإما أن تواصل الدولة تمويل موازنتها وشبكات الزبائنية السياسية عبر بيع منتج قاتل، وإما أن تعتمد سياسات أثبتت فعاليتها دولياً، فتزيد إيراداتها وتحمي حياة اللبنانيين في آن واحد.

«ضرر مُنظَّم»

على الورق، تُعدّ إدارة حصر التبغ والتنباك اللبنانية إحدى قصص النجاح النادرة للدولة اللبنانية. تأسست عام 1935 خلال الانتداب الفرنسي وأُعيدت هيكلتها بعد الحرب الأهلية لتصبح احتكاراً مملوكاً بالكامل للدولة. وهي مُكلّفة رسمياً بالإشراف على كل أبعاد قطاع التبغ: من استيراد المواد الخام والسجائر الجاهزة، إلى تنظيم الزراعة عبر منح التراخيص وشراء المحاصيل المحلية وصولاً إلى التصنيع والتسعير والتوزيع. وبحكم خضوعها قانونياً لوزارة المالية، يُفترض أن تُجسّد صفقةً «تنموية» كلاسيكية: تُركّز الدولة السيطرة على سلعة ضارة لكنها مربحة بهدف توليد إيرادات مستقرة وحماية المستهلكين من المنتجات غير المشروعة، وحماية صغار المزارعين المحليين من تقلبات السوق العالمية.

ويقدّمها المدافعون عنها على أنها مؤسسةً استطاعت الحفاظ على نفسها على عكس معظم المؤسسات العامة اللبنانية. ففي كتابه الأخير الزراعة الأخلاقية للتبغ غير الأخلاقي يصف مازن عبّود، العضو في مجلس إدارة الريجي، هذا الاحتكار بأنه محرّك للإيرادات وأداة للسياسة الاجتماعية في آن. فمن خلال ضمان شراء محاصيل التبغ بأسعار إدارية محددة، تتيح الريجي لنحو 25 ألف مزارع من أصحاب المزارع الصغيرة دخلاً نقدياً يمكن توقعه في مناطق مهمَّشة، بما يحدّ من النزوح الداخلي والخارجي ويعزز ما يسميه عبّود «الصمود» في المناطق الحدودية التي تأثرت بالحروب وإهمال الدولة. وفي هذا التصور يُنسَج التبغ في صلب الهوية والكرامة الجمعية، ويغدو الاحتكار وسيلةً تمكّن مجتمعاً طال تهميشه من انتزاع اعتراف اقتصادي وحصّة ملموسة من موارد الدولة.

تُقدّم الريجي نفسها كركيزة للاستقرار المالي. إذ تقول إن احتكارها للواردات والإنتاج يتيح لها تحسين التسعير والحد من التهريب، وضمان أن تعود الأرباح إلى الخزينة العامة بدل أن تذهب إلى الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات. وبهذا المعنى تعمل كأداة «شبه ضريبية» تُجنّب الحكومة الكلفة السياسية لرفع الرسوم الانتقائية بصورة علنية. ويشير عبّود إلى التحويلات السنوية إلى الخزينة وإلى «محفظة» من مشاريع المسؤولية الاجتماعية للشركات من منح دراسية وبنى تحتية بلدية ورعاية ثقافية، بلغت قيمتها 10.6 ملايين دولار بين 2016 و2019، فضلاً عن «خطة التنمية المستدامة» التي أُطلقت عام 2016 بوصفها دليلاً على أن الريجي تعيد تدوير عائدات التبغ في صورة منافع عامة.

كما استثمرت الريجي في بناء مصداقيتها التشغيلية. يوثّق عبّود أنها حدّثت خطوط الإنتاج عام 2016 ونالت شهادة ISO 9001 بما يثبت أن عملياتها استوفت معايير الصناعة العالمية. وبحلول 2017 بدأت الريجي تصنيع سجائر بموجب ترخيص لشركات فيليب موريس إنترناشيونال (PMI) وإمبريال براندز وجابان توباكو إنترناشيونال (JTI)، وقد أدى هذا التحول إلى رفع هوامش الربح إلى مستويات وصفها عبّود بأنها «ظاهرة نادراً ما تُرى في إدارة المرافق العامة». ستثبت هذه المعايير جدواها لاحقاً: فعندما انهارت العملة اللبنانية بعد عام 2019، عمّقت شركات التبغ العابرة للحدود اعتمادها على مصانع الريجي بدلاً من الانسحاب منها.

وفي قلب أطروحة عبّود تحدٍّ براغماتي لمنتقديه: في دولة هشّة كلبنان، حيث المؤسسات ضعيفة والسوق السوداء مزدهرة، لا يكمن الخيار بين «الجيد» و«السيئ» بل بين «ضرر مُنظَّم» وضرر فوضوي. والريجي، وفق هذه الرواية، هي «أفضل السيئات»: مؤسسة تؤدي عملاً ضرورياً في ظروف شبه مستحيلة. هذه حجة متماسكة وبعض عناصرها صحيحة لكنها تتجاهل من يسيطر على الريجي وكيف استُخدمت هذه السيطرة، وما كلفته لبنان من إيرادات ومن صحة ومن أرواح.

تتبع الأموال

تجمع الحكومة اللبنانية إيرادات التبغ عبر قناتين أساسيتين: تحويلات الريجي  إلى وزارة المالية من أرباح مبيعاتها والضرائب التي تجبيها الدولة مباشرة، تحديداً الرسوم الجمركية على التبغ المستورد وضريبة القيمة المضافة.
إن فهم كيفية تغيّر التوازن بين هاتين القناتين خلال العقد الماضي أساسي لفهم الاقتصاد السياسي لقطاع التبغ في لبنان اليوم.

وبحسب البيانات المالية التي زوّدتنا بها الريجي ارتفعت إيرادات الدولة من التبغ من نحو 93 مليون دولار عام 1994 إلى ذروة بلغت 680 مليون دولار عام 2012، قبل أن تنخفض تدريجياً إلى نحو 477 مليون دولار بحلول عام 2019. وخلال العقدين السابقين للأزمة المالية، شكّل التبغ في المتوسط نحو 4% من إيرادات الدولة. هذه مساهمة ذات وزن لكنها لم تكن ركيزة تعتمد عليها الموازنة بصورة حاسمة.

والأهم من الحجم الإجمالي كان توزيع هذه الإيرادات داخلياً. ففي عام 2012 أي عند ذروة الإيرادات، كان 87% من دخل الدولة من التبغ يأتي من الضرائب المباشرة (الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة) التي تجبيها وزارة المالية. أما تحويلات الريجي إلى الخزينة فلم تتجاوز 13%. بعبارة أخرى فإن الدولة (لا المحتكرين) كانت هي من يتحكم بالغالبية الساحقة من إيرادات التبغ.

ثم بدأ التوازن بالتغير. ففي عام 2016 وقّعت الريجي اتفاقيات ترخيص مع شركة فيليب موريس الدولية وإمبريال توباكو، وأعلنت شركتا «جابان توباكو إنترناشونال» (JTI) و«بريتيش أميركان توباكو» أنهما ستصنعان منتجاتهما محلياً. وكان المنطق المالي واضحاً: إذ تبلغ الرسوم الجمركية على السجائر المستوردة الجاهزة نحو 115%، في حين لا تتجاوز الرسوم على التبغ الخام المستورد للإنتاج المحلي نحو 25% وفق مسؤول في الريجي تحدّث مع«البديل». وكل علبة من «مارلبورو» أو «وينستون» تُنتج في مصانع الريجي بدلاً من استيرادها من الخارج تعني انخفاضاً كبيراً في إيرادات الجمارك لوزارة المالية وارتفاعاً موازياً في الأرباح الإجمالية للريجي.

ثم بدأ التوازن بالتغير. ففي عام 2016 وقّعت الريجي اتفاقيات ترخيص مع شركة فيليب موريس الدولية وإمبريال توباكو، وأعلنت شركتا «جابان توباكو إنترناشونال» (JTI) و«بريتيش أميركان توباكو» أنهما ستصنعان منتجاتهما محلياً. وكان المنطق المالي واضحاً: إذ تبلغ الرسوم الجمركية على السجائر المستوردة الجاهزة نحو 115%، في حين لا تتجاوز الرسوم على التبغ الخام المستورد للإنتاج المحلي نحو 25% وفق مسؤول في الريجي تحدّث مع«البديل». وكل علبة من «مارلبورو» أو «وينستون» تُنتج في مصانع الريجي بدلاً من استيرادها من الخارج تعني انخفاضاً كبيراً في إيرادات الجمارك لوزارة المالية وارتفاعاً موازياً في الأرباح الإجمالية للريجي.

يوضح الرسم البياني أدناه تداعيات هذا التحول. فقد بدأ الخط الأزرق والذي يمثل الأرباح الإجمالية للريجي، والخط الأحمر الذي يمثل إيرادات الضرائب المباشرة بالتقارب عام 2016 وهو عام إبرام اتفاقيات الترخيص. لكن المقياس الحاسم للمالية العامة ليس الأرباح الإجمالية بل ما تحوّله الريجي فعلياً إلى الخزينة بعد اقتطاع نفقاتها. وبحلول عام 2019، أي عشية الأزمة المالية، كانت تحويلات الريجي وإيرادات الضرائب المباشرة قد بلغت مستوى شبه متكافئ. إذ شكّلت تحويلات الريجي 49% من إجمالي إيرادات الدولة من التبغ مقابل 50% للضرائب المباشرة. فالنسبة كانت تقارب 1 إلى 7 في عام 2012 وأصبحت، خلال سبع سنوات فقط، 1 إلى 1.

ثم جاءت الأزمة المالية لتُسرّع هذا التحول. فقد أدى انهيار العملة (من 1,507 ليرات للدولار قبل الأزمة إلى السعر الموحّد البالغ 89,500 ليرة) إلى جعل الإنتاج المحلي أقل كلفة بكثير من حيث القيمة الدولارية. وبدلاً من الانسحاب عمّقت شركات التبغ العابرة للحدود اعتمادها على مصانع الريجي، إذ أصبحت تكاليف الإنتاج في لبنان جاذبة فيما استوفت معايير التصنيع لدى الريجي متطلبات هذه الشركات، وفق ما أفاد به مسؤول في الريجي في حديثه مع «البديل». وبحلول عام 2024 أكدت الريجي أنها تُصنّع أكثر من 99% من السجائر المباعة في لبنان.

تظل سنوات التقلب الحاد في سعر الصرف بين 2020 و2023 صعبة القياس بدقة، نظراً لانهيار الليرة وتعدد أسعار الصرف، إضافة إلى اعتماد الريجي آلية تحصيل معقدة ثلاثية المستويات تشمل الدولار النقدي والليرة اللبنانية وشيكات بالدولار. غير أن الصورة اتضحت مجدداً بحلول عام 2024 بعد توحيد سعر الصرف: إذ بلغت إيرادات الدولة من التبغ نحو 402 مليون دولار وهو رقم قريب من مستويات ما قبل الأزمة، إلا أن 60% منها بات يمر عبر أرباح الريجي مقابل 40% فقط من الضرائب المباشرة. هنا كان الانقلاب قد اكتمل.

والأهم أن انهيار بقية إيرادات الدولة، في مقابل استمرار قطاع التبغ في توليد الدخل، جعل الإنفاق العام أكثر اعتماداً على استمرار اللبنانيين في استهلاك هذا المنتج القاتل. فبحسب مرصد المالية العامة الصادر عن وزارة المالية، بلغت الإيرادات العامة عام 2024 نحو 3.9 مليارات دولار. وبلغت إيرادات التبغ أي تحويلات الريجي إضافة إلى الرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة نحو 402 مليون دولار، أي أكثر من 10% من إجمالي دخل الدولة. وهكذا أصبحت الحكومة أكثر اعتماداً على قطاع التبغ بنحو مرتين ونصف مقارنة بما كانت عليه قبل الأزمة.

ساهمت عدة عوامل في تسارع إيرادات الريجي خلال السنوات الست الماضية. فقد أظهر استطلاع ممثّل على المستوى الوطني أعدّه باحثون في الجامعة الأميركية في بيروت عام 2024 أن 66% من البالغين اللبنانيين يدخنون بشكل دوري. كما أكد محاسب الريجي في مقابلة مع «البديل» أن الشركة سجّلت ارتفاعاً في معدلات انتشار التدخين. ومن المرجّح أن يكون النزوح الناتج عن حرب 2024 مع إسرائيل قد عزّز هذا الاتجاه، إذ تُظهر الأدبيات أن حالات الضيق الشديد والصدمة والنزوح لعوامل موثقة في زيادة استهلاك التبغ. كذلك برز ما وصفه أحد مسؤولي الريجي بـ«التهريب العكسي»: فبينما كانت السجائر المهرّبة تتدفق إلى لبنان من دول الجوار قبل الأزمة أدّى انهيار تكاليف الإنتاج المحلي إلى انعكاس الاتجاه، إذ باتت السجائر المُصنَّعة في لبنان تُهرَّب إلى الخارج ما رفع أحجام المبيعات. وقد تراجع هذا المسار بحلول عام 2024، لكنه ساهم في تعزيز الإنتاج خلال سنوات تقلب سعر الصرف.

الشفافية تتوقف عند النقطة التي تبدأ عندها الأسئلة الأكثر حساسية، حيث شروط اتفاقيات الترخيص مع شركات التبغ متعددة الجنسيات لا تزال غير معلنة.

ما أظهرته (وما لم تُظهره) الريجي لـ«البديل» يروي بدوره قصةً موازية. فقد تعاونت المؤسسة مع البحث بدرجة غير مألوفة مقارنة بتاريخها الحذر في ما يتعلق ببياناتها المالية، فزوّدت «البديل» ببيانات عن الإيرادات والكلفة وأتاحت إجراء مقابلة مفصلة مع محاسبها. وهذه درجة من الشفافية جديرة بالإشارة. تؤكد البيانات الاتجاه العام للإيرادات والتحول البنيوي نحو التصنيع المحلي.

غير أن الشفافية تتوقف عند النقطة التي تبدأ عندها الأسئلة الأكثر حساسية، حيث شروط اتفاقيات الترخيص مع شركات التبغ متعددة الجنسيات لا تزال غير معلنة والأسس التي تعتمدها الريجي في احتساب تحويلاتها إلى الخزينة غير موضّحة؛ كما أن التقلبات الحادة في هذه التحويلات: من 158 مليون دولار عام 2020 إلى 342 مليون في 2021 ثم 93 مليون عام 2022، قبل أن ترتفع مجدداً إلى 241 مليون دولار عام 2024، تُعرض من دون سياق محاسبي يسمح بالتحقق المستقل. لقد فتحت الريجي نافذة شفافية على ماليتها، لكنها هي التي اختارت موقع النافذة ومدى اتساعها.

كما باتت العلامة التجارية الخاصة بالريجي «سيدرز» تستحوذ على نحو نصف سوق السجائر المحلية، فيما تُصنَّع عملياً جميع السجائر الأخرى في السوق اللبناني أيضاً في مصانع الريجي بموجب تراخيص أجنبية. فالاحتكار لا يقتصر على تنظيم قطاع التبغ بل هو القطاع نفسه، من الحقل إلى المصنع إلى نقطة البيع.

بالتالي فإن السؤال لا يقتصر على وجهة الأموال، بل يمتد إلى من كان يمتلك زمام القرار أثناء هذا التحول.

البنية السياسية للتبغ

في قلب الاقتصاد السياسي الذي تشكّل حول التبغ يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري وحركة أمل. فقد رسّخ بري سيطرته على الريجي اللبنانية للتبغ والتنباك خلال مرحلة إعادة تشكيل الدولة بعد الحرب الأهلية، حين أُدرج احتكار التبغ المملوك للدولة ضمن نظام تقاسم المغانم الطائفية الذي قسّم مؤسسات الدولة إلى حصص تُدار كإقطاعيات سياسية. وكان بري، والذي قاد ميليشيا حركة أمل خلال الحرب الأهلية، تولّى رئاسة مجلس النواب عام 1992 ولا يزال يشغل المنصب حتى اليوم، ما يجعله من أطول رؤساء البرلمانات تولّياً للمنصب في العالم. وفي عهده أُعيدت هيكلة الريجي من مؤسسة متعثرة تعود جذورها إلى الانتداب الفرنسي إلى عملية تصنيع مُنظَّمة كما هي اليوم.

مازن عبّود، عضو مجلس إدارة الريجي، يوثّق هذا التحول بنبرة إعجاب واضحة. فحسب ما يروي «أعاد بري توجيه عمليات الريجي نحو الكفاءة الاقتصادية وإعطاء الأولوية لرفاهية 25 ألف مزارع، الذين أصبحوا حجر الزاوية في قوته السياسية وشعبيته». هذه العبارة: أي المزارعين كحجر زاوية في القوة السياسية، لها دلالات بحد ذاتها. فما يقدّمه عبّود كقصة نجاح إداري يمكن قراءته، من زاوية أخرى، كحالة كلاسيكية من الاستيلاء على الدولة: مؤسسة عامة أُعيد توظيفها لخدمة المصالح السياسية للفصيل الذي يسيطر عليها.

لا يقتصر هذا الاستيلاء على الريجي وحدها. فمنذ شباط 2014 تولّى وزارة المالية (الجهة التي تشرف رسمياً على الريجي) وزراء محسوبون على حركة أمل بشكل متواصل: علي حسن خليل (2014–2020)، غازي وزني (2020–2021)، يوسف خليل (2021–2025) ثم الوزير الحالي ياسين جابر. وقبل عام 2014 كانت الوزارة في معظم الأحيان بيد خصوم سياسيين لحركة أمل أو شخصيات مستقلة نسبياً، لديهم على الأقل حافز مؤسسي لتدقيق تحويلات الريجي إلى الخزينة والضغط باتجاه زيادة الإيرادات الضريبية. بعد 2014، اختفى هذا التوازن. وهكذا فإن كامل المرحلة: من اتفاقيات الترخيص إلى انتقال الإيرادات من الضرائب المباشرة إلى أرباح الريجي، إلى ترسيخ موقعها خلال الأزمة بحيث باتت تصنّع 99% من سجائر البلاد، جرت بينما كان الفصيل السياسي نفسه يمسك بطرفي علاقة الرقابة: الجهة المُشغِّلة والجهة المُشرفة.

وتوضح حالة علي حسن خليل آلية هذا التحكم المزدوج عملياً. فحين كان وزيراً للصحة العامة بين 2011 و2014، حظر استيراد وبيع السجائر الإلكترونية والأرجيلة الإلكترونية، مستنداً إلى المخاطر الصحية. لكن بعد انتقاله إلى وزارة المالية عام 2014، حيث بات يعمل مباشرةً مع الريجي، عارض مقترحات زيادة الضرائب على التبغ، وأشرف على إعادة إدخال السجائر الإلكترونية تدريجياً إلى السوق، وأصبح مدافعاً علنياً عن الريجي وقيادتها. المسؤول نفسه الذي قيّد منتجات النيكوتين بدافع صحي غيّر موقفه عندما شغل الوزارة التي تتقاطع مصالحها المؤسسية مع مصالح الاحتكار.

حول هذا المركز المؤسسي، بنت الريجي اللبنانية للتبغ والتنباك شبكة مترابطة تمزج بين القوة الاقتصادية والعمل الرعائي والنفوذ الانتخابي. ويصف الخبير الاقتصادي علي عبود (لا صلة قرابة له بعضو مجلس إدارة الريجي) احتكاراً «يتحكم بالترخيص والإنتاج والإعلان والتسعير… في كل الجوانب» وهو «مرتبط سياسياً بشكل واضح». ويضيف أنه خارج أسوار المصنع، «لدى الريجي برامجها الاجتماعية الخاصة: تقدّم منحاً دراسية، تبني مكتبات عامة، تعتني بالحدائق… وتدعم مرشحي المجالس البلدية في بعض قرى الجنوب». ويرى عبود أن ذلك يخلق شبكة من العلاقات السياسية والاجتماعية تتيح التأثير في السياسات والنتائج. ففي دولة تراجعت إلى حد بعيد عن مسؤولياتها التنموية في الأطراف، تشكّل هذه الأنشطة أحد مكونات الآلية الأوسع التي تُرسّخ من خلالها حركة أمل الولاء في جنوب لبنان والبقاع.

ويُوضَع مزارعو التبغ في قلب هذا المسرح السياسي. فقد دأب بري على تصوير المحصول بوصفه رمزاً للصمود والمقاومة، مقدِّماً المزارعين كـ«حرّاس» للحدود والكرامة الوطنية. ويعيد كتاب مازن عبّود إنتاج هذه السردية بإسهاب، رابطاً بين انتفاضات التبغ الشيعية في القرن التاسع عشر وسياسات الريجي المعاصرة. ويُستدعى هذا التاريخ المؤمثَل كلما طُرحت إجراءات للحد من التبغ، بحيث تُصوَّر أي زيادة ضريبية أو إصلاح تنظيمي كاعتداء على أرزاق مجتمع مُهمَّش تاريخياً.

غير أن الأرقام تُربك هذه السردية. فإحصاء أجرته وزارة الزراعة قبل الأزمة قدَّر عدد مزارعي التبغ المتفرغين بنحو 11 ألف. وحتى باعتماد الرقم الأعلى (أي 25 ألف) فإن هؤلاء المزارعين، إلى جانب العاملين في وظائف مرتبطة بالريجي، كانوا يشكّلون نحو 1% فقط من القوى العاملة في لبنان عام 2019. كما أن الدعم الزراعي المخصص للمزارعين اليوم أدنى مما كان عليه في أي مرحلة من تاريخ الريجي. وكان خبراء في الصحة العامة واقتصاديون تحدثوا إلى «البديل» واضحين في تقييمهم: يُستَخدم المزارعون كدروع بشرية لحماية صناعة تقتل آلافاً من مواطنيهم سنوياً.

والنتيجة بنية سياسية تجعل كل أدوات الإصلاح من الضرائب إلى التنظيم إلى الشفافية، تمر عبر مؤسسات يسيطر عليها الفصيل الأكثر مصلحة في تعطيلها. فلا يمكن لوزارة المالية أن تقود إصلاحاً ضريبياً على التبغ وهي بيد حلفاء الاحتكار الذي يُفترض أن تشرف عليه. ولا يمكن للبرلمان أن يسنّ تشريعات فاعلة للحد من التبغ بينما رئيسه بنى جزءاً أساسياً من قاعدته السياسية على هذا القطاع. كما لا يُنتظر من الريجي أن تكبح توسعها الذاتي في وقت يستفيد الفصيل المسيطر عليها من كل توسّع إضافي.

عدد الضحايا

يدخّن اثنان من كل ثلاثة بالغين في لبنان. فقد أظهر الاستطلاع التي أجرته الجامعة الأمريكية في بيروت في 2024 أن 66% من اللبنانيين يستخدمون التبغ بانتظام: 76% من الرجال و56% من النساء. ومن بين مدخني السجائر أفاد 97% بأنهم يدخنون يومياً، بمتوسط استهلاك يبلغ تسع علب أسبوعياً. ولم تختلف معدلات التدخين بشكل يُذكر بين فئات الدخل أو مستويات التعليم، كما بقيت مرتفعة على نحو ثابت في جميع الفئات العمرية بين 18 و64 عاماً. والأخطر أن سنّ بدء التدخين آخذ في الانخفاض. فبالنسبة لمن وُلدوا بعد عام 1990، يقل متوسط سنّ البدء عن 18 عاماً، أي دون السن القانونية لشراء التبغ.

هذه ليست أرقام دولة حاولت وفشلت في خفض معدلات التدخين. إنها أرقام دولة لم تحاول جدياً أصلاً.

كما أن العبء الاقتصادي لهذه العادة ثقيل على كثير من الأسر. فبمتوسط تسع علب أسبوعياً، وبالأسعار الحالية، ينفق المدخن العادي ما بين 40 و60 دولاراً شهرياً على السجائر. وفي بلدٍ تتراوح فيه مداخيل شريحة واسعة من السكان بين https://www.anera.org/blog/the-cost-of-living-in-lebanon-in-2024/200 دولار و 400 دولار شهرياً، يمكن أن يستهلك التبغ ما بين 15% و20% من ميزانية الأسرة ذات الدخل المحدود، أي أن هناك أموال تُقتطع من الغذاء والدواء وتعليم الأطفال لتمويل منتج قاتل بالنسبة للكثيرين. فالإدمان ليس مجرد أزمة صحية بل هو فخّ فقر، والدولة تجني عائداته.

وتقدّر الدراسات المتحفظة عدد الوفيات السنوية المنسوبة إلى التبغ في لبنان بما بين 5300 و9200 حالة. ويعكس هذا التفاوت اختلاف المنهجيات، لكن حتى الحد الأدنى يُعدّ مرتفعاً للغاية في بلد لا يتجاوز عدد سكانه نحو خمسة ملايين نسمة. للمقارنة، قُدّر عدد ضحايا الحرب الأهلية بين 100 و150 ألف شخص خلال خمسة عشر عاماً. وإذا ما امتدت الوفيات السنوية الناجمة عن التدخين على الفترة نفسها، فإن الحصيلتين تقتربان من التساوي. الفارق أن الحرب انتهت، فيما تستمر وفيات التبغ عاماً بعد عام، بلا هدنة في الأفق.

وقدّرت دراسة حالة استثمارية صدرت عام 2024 عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة الصحة العالمية ووزارة الصحة العامة اللبنانية الكلفة الاقتصادية لأضرار التبغ بنحو 140 مليون دولار سنوياً، أي ما يعادل 1.9% من الناتج المحلي الإجمالي، تشمل تكاليف الرعاية الصحية المباشرة وخسائر الإنتاجية الناتجة عن الأمراض المرتبطة بالتبغ والوفيات المبكرة. وعند مقارنة هذا الرقم بـ402 مليون دولار جمعتها الدولة من التبغ عام 2024، يتبين أن أكثر من ثلث الإيرادات يُستهلك في معالجة الأضرار التي يتسبب بها المنتج نفسه، وهذا قبل احتساب المعاناة الإنسانية التي لا تُقاس بالأرقام. ووجدت الدراسة ذاتها أن تطبيق سياسات مكافحة التبغ التي توصي بها منظمة الصحة العالمية يمكن أن يجنب لبنان أكثر من 400 مليون دولار من الخسائر الاقتصادية، وينقذ 40 ألف حياة خلال خمسة عشر عاماً. كما قدّرت أن زيادة أسعار السجائر بنسبة 50% وحدها من شأنها أن تمنع 17 ألف وفاة بين أفقر خمس السكان دخلاً، مقابل 9 ألف وفاة بين أغناهم.

ويضاعف التوقيت من فداحة الصورة. فقد ارتفعت معدلات التدخين خلال الأزمة المالية، إذ دفعت الصدمة الاقتصادية والضغوط النفسية مزيداً من اللبنانيين إلى التبغ، وهذا يتسق مع أبحاث عالمية تُظهر أن حالات التوتر الشديد والصدمة والنزوح تزيد استهلاك التبغ. كما أن حرب 2024 مع إسرائيل، التي أدت إلى نزوح أكثر من مليون شخص داخل لبنان، ضاعفت من هذه الضغوط. فإن إيرادات الريجي ترتبط بشكل بنيوي مع معاناة اللبنانيين: كلما ساءت الأوضاع زاد الاستهلاك، وارتفعت أرباح الاحتكار.

وقد وقّع لبنان على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية بشأن مكافحة التبغ في 2005، وهي معاهدة تُلزم الدول الموقّعة باتخاذ تدابير تشمل فرض ضرائب مرتفعة على التبغ وحظراً شاملاً للإعلانات ومساحات عامة خالية من التدخين وتحذيرات صحية بارزة على العبوات. لكن لبنان لا يزال، بعد ما يقرب من عقدين، من الدول ذات أدنى الضرائب على التبغ وأعلى معدلات تدخين في العالم. فهو دولة موقّعة تمتلك الصناعة التي صُممت المعاهدة لتقييدها، وهذا التضارب في المصالح يجعل الالتزام، عملياً، بلا مضمون.

لماذا لا شيء يتغير

لم يفتقر لبنان إلى مقترحات لمكافحة التبغ بل إلى الشروط السياسية التي تسمح لأي منها بالاستمرار.

عند توقيعه على الاتفاقية الإطارية لمنظمة الصحة العالمية عام 2005 التزم لبنان بجملة من الإجراءات منها فرض قيود على الإعلانات وإنشاء مساحات خالية من التدخين ووضع تحذيرات صحية بارزة على العبوات، والأهم فرض ضرائب مرتفعة على التبغ. وفي عام 2012 أقرّ البرلمان القانون رقم 174 وهو تشريع شامل لمكافحة التبغ أسس لحظر التدخين في الأماكن العامة المغلقة وقيّد الإعلانات وألزم بوضع تحذيرات صحية مصوّرة على علب السجائر. على الورق كان من بين أقوى قوانين مكافحة التبغ في المنطقة. أما عملياً فكان التنفيذ شبه معدوم: لا يزال التدخين شائعاً في المطاعم والمقاهي والمكاتب، وتمّ تعليق العمل بالتحذيرات المصوّرة بهدوء بعد معارضة من الريجي وحماتها السياسيين. القانون قائم أما تطبيقه في معظم الأحوال معدوم.

أما المقترحات الضريبية فكان مصيرها أسوأ. فرغم الإجماع البحثي على أن الضرائب الانتقائية هي الأداة الأكثر فاعلية لخفض الاستهلاك، ورغم إقرار مازن عبّود نفسه في كتابه بأن الزيادات التدريجية في الضرائب فعالة والزعم بأنها «غير عادلة» مبالغ فيه، فإن كل محاولة جدية لرفع معدلات الضريبة على التبغ أُجهضت وكان مصدر التعطيل ثابتاً: الريجي وحلفاؤها في البرلمان ووزارة المالية.

واستند الدفاع إلى سردية مألوفة. الحجة الرئيسية أن زيادة الضرائب ستدفع المستهلكين إلى السوق غير المشروعة ما يُفقد الخزينة الإيرادات من دون خفض معدلات التدخين. ويعيد كتاب عبّود استحضار قصة معروفة: ففي عام 1999 حين رفعت حكومة الرئيس سليم الحص رسوم استيراد التبغ من 35% إلى 138% دفعة واحدة، ازداد التهريب ولم تنخفض معدلات التدخين. وقد عارضت قيادة الريجي، بدعم من رئيس مجلس النواب نبيه بري، هذه الزيادة آنذاك محذّرة من تنشيط السوق السوداء وبدا أن التطورات أعطت تحذيراتها مصداقية.

لكن الدرس الذي استُخلص (أي عدم رفع الضرائب مطلقاً) هو بالضبط ما يخدم مصالح الريجي. فما أثبتته تلك التجربة فعلياً هو أن مضاعفة الرسوم ثلاث مرات بين ليلة وضحاها دون بنية تحتية للإنفاذ وبالتزامن مع إنشاء منطقة تجارة حرة على الحدود السورية، سيؤدي إلى تفشي التهريب. لكنه لا يقول شيئاً عن أثر زيادات تدريجية ومنضبطة في الضرائب الانتقائية، من النوع الذي خفّض معدلات التدخين في عشرات الدول. بل إن محاسب الريجي نفسه أبلغ «البديل» أن دينامية التهريب انعكست خلال الأزمة المالية: فبدلاً من دخول السجائر المهرّبة إلى لبنان، باتت السجائر المُصنَّعة محلياً تُهرَّب إلى الخارج، بعدما جعل انهيار العملة الإنتاج المحلي شديد الانخفاض الكلفة. اي أن التهريب ليس «قانوناً حديدياً» كما تصفه الريجي بل ظاهرة انتهازية تعتمد على السياق، ويمكن احتواؤها مع تطور أدوات الرقابة.

وفي تمّوز 2025، أعلن وزير المالية ياسين جابر تركيب أجهزة مسح للحاويات في مرفأي بيروت وطرابلس ضمن خطة مكافحة الفساد المتفق عليها مع صندوق النقد الدولي، ما عزز قدرات التفتيش بصورة ملموسة. وكما قال الخبير الاقتصادي الزراعي علي شلق لـ«البديل»، فإن هذه التقنيات «تترك للحكومات المركزية هامش أعذار أضيق فأضيق لتفادي رفع الضرائب بذريعة التهريب».

ويمنح النظام القائم الريجي ما وصفه الاقتصادي علي عبود بـ«هامش حركة مفرط» يتيح لها طمس الفروق بين الكلفة والضرائب وهوامش الربح. أما الضريبة الانتقائية وهي رسم ثابت يُفرض على كل وحدة ويُحصَّل قبل وصول المنتج إلى المستهلك، فستفرض الوضوح الذي صُمم النظام الحالي لتجنبه. فالدولة هي التي تحدد المعدل والدولة هي التي تجبي الإيراد، أما دور الريجي يُختزل إلى دور المُصنِّع المحتكر: الإنتاج لا تحديد نسبة العائد التي تصل إلى الخزينة العامة.

النمط عبر عقدين واضح: تدخل المقترحات إلى النظام وتخرج منه منزوعة الفاعلية. البنية السياسية التي وثّقها هذا التحقيق، فصيل يسيطر على الاحتكار والوزارة معاً، مزارعون يُستدعون كدروع، والتهريب يُقدَّم كعائق غير قابل للكسر، ليست مصادفة متكررة. إنها منظومة تعمل كما صُممت.

كسر العادة

لا يوجد ما هو غامض في كيفية خفض استهلاك التبغ. فمجموعة أدوات السياسات معروفة جيداً، ومجرَّبة عالمياً، ومدعومة بعقود من الأدلة من دول على اختلاف مستويات دخلها. الأداة الأكثر فاعلية هي ضريبة انتقائية تصاعدية على كل وحدة، أي رسم ثابت يُفرض على كل علبة سجائر، تُحصِّله الدولة ويزداد سنوياً بوتيرة تتجاوز التضخم. ويجب أن تُطبَّق الضريبة بشكل موحّد على جميع العلامات التجارية لسدّ ثغرات الاستبدال التي كشفتها الأزمة اللبنانية بالفعل: فعندما تصبح «سيدرز» قريبة في قيمتها الحقيقية من «مارلبورو» لكنها تبقى أرخص اسمياً، لا يُقلع المدخنون عن التدخين بل يلجأون إلى متنجات أقل تكلفة. الضريبة الانتقائية الموحدة تُغلق هذا المخرج.

الفوائد البنيوية لا تقل أهمية. فالضريبة الانتقائية تُجبى مباشرة من الدولة عبر آلية شفافة، ولا تمرّ عبر الحساب التشغيلي لاحتكار يقتطع نفقاته قبل تحويل ما يتبقى إلى الخزينة. بعبارة أخرى، من شأنها أن تعكس المسار الذي وثّقه هذا التحقيق: إعادة إيرادات التبغ إلى قنوات الضرائب المباشرة بدلاً من بقائها ضمن هامش السيطرة التقديرية للريجي. الدولة تحدد المعدل، الدولة تجبي الإيراد، ويستطيع الرأي العام أن يرى بدقة حجم الأموال المحصلة ووجهة إنفاقها.

أما العائد الصحي فهو واضح ويميل لمصلحة الفئات الأفقر. فالمدخنون ذوو الدخل المحدود أكثر حساسية لارتفاع الأسعار وأكثر ميلاً للإقلاع عندما ترتفع كلفة السجائر. وأظهرت دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المشار إليها سابقاً أن زيادة الأسعار بنسبة 50% قد تمنع ما يقارب ضعف عدد الوفيات بين أفقر خمس السكان مقارنةً بأغناهم. والقول إن ضرائب التبغ «رجعية» لأنها تثقل كاهل الفقراء يتجاهل وفورات تفادي المرض وتفادي الإنفاق الصحي الكارثي وتفادي الوفاة المبكرة، وهي وفورات تتراكم بأثر أكبر لدى من الفئات الأقل دخلاً.

ولا يتطلب هذا المسار تفكيك الريجي بين ليلة وضحاها أو التخلي عن المزارعين الذين يعتمدون على زراعة التبغ. فالخبير الاقتصادي علي عبود، الذي درس قطاع التبغ اللبناني بعمق، يؤكد أن عقود الدعم والإعانات يمكن إعادة تصميمها وأن برامج تنويع المحاصيل قادرة على دعم المزارعين في مرحلة انتقالية، وأن العائدات الإضافية من الضرائب المرتفعة كافية لتغطية كلفة هذا التحول. حتى مازن عبّود يقرّ في كتابه بأن الزيادات التدريجية في الضرائب قابلة للتطبيق وأن الاعتراض القائم على «رجعيتها» لا يصمد أمام التحليل. حُسم الجدل من الناحية الفكرية. وما يبقى هو العائق السياسي.

يحكم لبنان اليوم عهد جديد أعلن اهتمامه بالإصلاح المؤسسي في القطاع العام. ويشترط برنامج صندوق النقد الدولي الشفافية المالية وتدابير مكافحة الفساد. كما يجري تركيب أجهزة مسح حديثة في المرافئ. وللمرة الأولى منذ سنوات، تبدو شروط إصلاح ضرائب التبغ ممكنة نظرياً.

لكن الممكن نظرياً ليس مرجّحاً سياسياً، ما دامت وزارة المالية بيد الفصيل الذي يسيطر على الاحتكار، وما دام رئيس مجلس النواب يرأس المؤسسة التي يُفترض أن تشرّع الضريبة، وما دام 25 ألف مزارع يُستدعون كدروع سياسية في مواجهة أي تغيير يمسّ الوضع القائم.

بدأ هذا التحقيق بمقارنة: يقتل اقتصاد التبغ سنوياً عدداً من اللبنانيين يقارب ما أودت به الحرب الأهلية في ذروة سنواتها. الفارق أن الحرب، على كل فظاعتها، لم تكن نموذجاً اقتصادياً. أما التبغ فهو كذلك. إنه يدرّ إيرادات للدولة، وأرباحاً للاحتكار، ورأسمالاً سياسياً لفصيل بعينه ويخلّف، كأثر جانبي معروف للجميع لكن بلا مساءلة حقيقية، الإدمان الجماعي والمرض والموت المبكر.

فإمكان الدولة أن تواصل إدارة هذا الترتيب أو أن تعتمد السياسات التي أثبتت فعاليتها في عشرات الدول، فترفع إيراداتها وتحمي حياة اللبنانيين في آن واحد. الأدوات موجودة. الأدلة واضحة. والسؤال ليس تقنياً بل سياسي: هل تتوافر الإرادة لاستخدامها، أم ستنتصر مرة أخرى مصالح المستفيدين من النظام القائم، كما حدث طوال عقدين؟

ملاحظة المحرر:

يودّ فريق البديل | معهد السياسة البديلة أن يتقدم بالشكر لـ: علي عبود، د. علي شلق، د. ريما نقاش، د. نسرين سلطي، ود. غازي زعتري، على وقتهم وعلى ما قدّموه بسخاء من خبرات ورؤى لهذا التحقيق.

كما يعرب البديل | معهد السياسة البديلة عن تقديره لموظفي قسمي المحاسبة والاتصالات في الريجي اللبنانية للتبغ والتنباك لتعاونهم في إتاحة المعلومات اللازمة لإعداد هذا التقرير.

ونتوجّه بالشكر إلى بيرلا خالد وسيغولين ماثيلين لمساهمتهما في العمل البحثي، وإلى ألكسندروس شازيباناجيوتو على إعداد الرسومات البيانية.

Related