منذ أواخر شباط نشرت دمشق آلاف الجنود على امتداد مقاطع رئيسية من الحدود، وبوتيرة متسارعة مع مطلع آذار. هذا الحشد الذي يضمّ قوات مشاة ومركبات مدرعة ومنظومات صاروخية قصيرة المدى، ولا سيما في منطقة القلمون المرتفعة، أثار مخاوف من تجدّد الانخراط العسكري داخل لبنان. إلا أنّ هذا الانتشار يدل – حتى الآن – على استراتيجية احتواء لا تدخّل. ومع أنّ هذه التحركات تتجاوز التدابير الأمنية الروتينية، فإنّ توقيتها وسياقها يعكسان سعي دمشق إلى تحصين نفسها في مواجهة حرب اجتاحت لبنان بالفعل، وتقترب تدريجياً من تخومها.

وفي خضمّ تحولات غير مسبوقة في موازين القوى، تدفع الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران أطرافاً إقليمية، مثل سوريا، إلى إعادة تقييم أدوارها وحدود انخراطها. وتقع الحدود السورية اللبنانية، والتي تشكّلت عبر عقود من الصراع والتشابكات السياسية والشبكات العابرة للحدود، في صلب هذه الحسابات. واليوم باتت هذه الحدود عقدة جيوسياسية تتقاطع عندها حملة واشنطن وتل أبيب ضد حزب الله مع إصرار دمشق على البقاء خارج المواجهة، بما يفاقم المخاوف في لبنان من انفتاح جبهة حرب جديدة.
تصاعد الضغوط على دمشق
منذ اندلاع الحرب في 2 آذار انتهجت الولايات المتحدة وإسرائيل استراتيجية تصعيد تدريجي، استهدفت من خلالها البنية العسكرية لحزب الله في مختلف أنحاء لبنان، لا سيما في سهل البقاع الذي يُعدّ مركزاً حيوياً لوجستيات الحزب وعملياته. ولا تقتصر هذه الحملة على ساحة المواجهة المباشرة بل تمتد إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية المحيطة بالحزب، بما يقيّد قدرته على المناورة وإعادة الانتشار.
في هذا السياق، تشير المؤشرات الدبلوماسية إلى محاولات نشطة لدفع دمشق نحو الانخراط المباشر سواء عبر تدخل عسكري محدود داخل لبنان أو من خلال تبادل معلومات استخباراتية يتيح استهداف مواقع حزب الله بدقة أكبر. وتستند هذه الضغوط إلى افتراض مفاده أن سوريا (بحكم دورها التاريخي في لبنان) تمتلك معرفة تفصيلية بشبكات إمداد الحزب ومواقع تخزينه وبنيته اللوجستية على طول الحدود. ومع اقتران ذلك بقربها الجغرافي ترى واشنطن – ومن خلفها تل أبيب – في هذه الخبرة المتراكمة أداة محتملة لإضعاف بنية حزب الله والحد من نفوذه.
في المقابل تعتمد دمشق نهجاً حذراً. إذ يدرك صنّاع القرار فيها أن الانخراط في مواجهة مباشرة مع حزب الله لا ينطوي على مخاطر عسكرية فحسب بل يحمل أيضاً تداعيات سياسية وأمنية عميقة قد تعيد فتح التصدعات الداخلية. كما أن أي انخراط من هذا النوع قد يُفسَّر على أنه خدمة للأجندة الإسرائيلية، وهو ما تحرص القيادة السورية الحالية على تجنّبه.
وقد أسهمت دول إقليمية (على رأسها قطر وتركيا والسعودية) في تهيئة الظروف السياسية التي تتيح لدمشق الحفاظ على هذا التموضع الحذر بما يجنّبها الانخراط المباشر في الصراع مع إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة. ويعكس هذا الموقف فهماً مشتركاً – وإن كان هشّاً – بأن دفع سوريا نحو دور أعمق قد يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى الإقليمية.
بين إسرائيل وحزب الله: موقعٌ حرج
على الرغم من حجم انتشار قواتها، تبدو القوات السورية متموضعة لأغراض ضبط الحدود دفاعياً، لا استعداداً لشن عمليات هجومية داخل لبنان.
تتركز التعزيزات عند المعابر غير الرسمية الرئيسية، والمسالك الجبلية الوعرة، وطرق التهريب التاريخية. ويعكس هذا التموضع تصاعد قلق دمشق من احتمال تحرّك مقاتلي حزب الله ونقل الأسلحة باتجاه الحدود، مع ازدياد الضغط العسكري الإسرائيلي داخل لبنان. كما تخشى دمشق أن تتحول المناطق الحدودية إلى منصات انطلاق لعمليات ضد إسرائيل، بما قد يستجلب رداً إسرائيلياً داخل الأراضي السورية ويفرض قواعد اشتباك جديدة تتعارض مع استراتيجية الاحتواء التي تعتمدها.
بالتالي يمكن قراءة هذا الحشد العسكري بوصفه خطوة استباقية لمنع تبلور هذا السيناريو، وإعادة بسط السيطرة على حدود بقيت رخوة طوال سنوات النزاع السوري. كما يحمل الانتشار رسالة سياسية إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين مفادها أن دمشق عازمة على منع تحويل حدودها إلى ساحات صراع بالوكالة وأنها مستعدة للاضطلاع بدور شريك أمني موثوق، لكن وفق شروطها.
لبنان على حافة التوازن: بين الشك والبراغماتية
إلا أن رفض سوريا التدخل المباشر في لبنان لا يعني انسحابها من الساحة اللبنانية بقدر ما يعكس إعادة تعريف لدورها. إذ تسعى دمشق إلى التموضع كجارٍ مُثبِّت للاستقرار من خلال تعاون أمني انتقائي مع الدولة اللبنانية يركّز على ضبط الحدود ومنع التهديدات المتبادلة، بعيداً عن التزامات واسعة أو مفتوحة.
أما على الجانب اللبناني، أثارت التحركات السورية الأخيرة ردود فعل متباينة. إذ ينظر بعض الفاعلين السياسيين إلى حشد القوات من زاوية الوصاية السورية السابقة على لبنان، مع تخوّف من عودة أنماط الهيمنة ذاتها. في المقابل ترى قوى سياسية أخرى (لا سيما تلك المناهضة لحزب الله) في هذه التحركات مؤشراً إلى تحوّل في التوازنات الإقليمية قد ينعكس على ميزان القوى الداخلي في لبنان لصالحها.
بالنسبة إلى هذه القوى، فإن تشديد الرقابة على الحدود وقطع المسارات اللوجستية قد يقيّد حرية حركة حزب الله ويخنق خطوط إمداده، ويدفع تدريجياً نحو إخضاع سلاحه لسلطة الدولة. ومع أنّ هذا التصوّر يتقاطع مع مطالب إقليمية ودولية بحصر السلاح بيد الدولة، فإن هذه الأطراف لا تصل إلى تأييد أي انخراط سوري مباشر، إذ تقوم مقاربتها على تغيّر البيئة الاستراتيجية المحيطة بالحزب لا على تدخل خارجي مباشر.
ورغم هذه التباينات داخل المشهد السياسي اللبناني، حافظت بيروت ودمشق على مستوى متقدّم نسبياً من التنسيق السياسي والأمني انطلاقاً من إدراك مشترك بأن أي فقدان للسيطرة على الحدود قد يحوّلها إلى ساحة صراع مفتوحة. وهكذا، يجد لبنان نفسه أمام معادلة دقيقة: بين هواجس التدخل السوري من جهة، والحاجة العملية إلى التنسيق من جهة أخرى، في سياق إقليمي شديد التقلب.
احتواء أم تصعيد مؤجَّل؟
حتى الآن، أسهم الانتشار العسكري السوري على طول الحدود اللبنانية في منع امتداد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله إلى داخل الأراضي السورية. وتشير المؤشرات الراهنة إلى أن دمشق ماضية في تثبيت هذا المسار، مدعومة جزئياً بتقاطع مصالح مع أطراف إقليمية حول أمن الحدود وحصر رقعة الصراع جغرافياً.
غير أن هذا التوازن يبقى مرهوناً بعوامل لا تملك دمشق السيطرة الكاملة عليها، وفي مقدمتها مستوى التصعيد الإسرائيلي في البقاع واحتمال امتداد المواجهات إلى مناطق جديدة. وإذا ما تصاعدت هذه الضغوط فقد تتحول الحدود من خط ضبط إلى بؤرة اشتعال مفتوحة، بما قد يزجّ بدمشق في المواجهة التي سعت إلى تفاديها.
صهيب جوهر زميل غير مقيم في البديل | معهد السياسة البديلة
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء الكاتب وحده ولا تعكس بالضرورة آراء البديل | معهد السياسة البديلة أو فريقه التحريري.