الهاربون من نظام الأسد في لبنان: كلفة الإيواء ومخاطر التردد

لا تملك الحكومة اللبنانية خطة للتعامل مع شخصيات النظام السابق المرتبطة بالأسد الموجودة في لبنان، وهذه اللامبالاة الرسمية باتت تحمل مخاطر متزايدة

ملخص تنفيذي

لا تملك الحكومة اللبنانية خطة للتعامل مع شخصيات النظام السابق المرتبطة بالأسد الموجودة في لبنان، وهذه اللامبالاة الرسمية باتت تحمل مخاطر متزايدة. فما بدأ كتداعيات الفوضى التي أعقبت سقوط الديكتاتور في دمشق في كانون الأول 2024، تحوّل منذ ذلك الحين إلى مكمن ضعف متفاقم في لبنان، وقد تفقد الدولة اللبنانية السيطرة عليه سريعاً. غير أنه بخلاف كثير من الأزمات الأخرى التي تواجهها البلاد، يظل هذا الملف قابلاً للمعالجة عبر مسار واضح.

في السادس من شباط وقّع مسؤولون لبنانيون وسوريون اتفاقاً لإعادة نحو 300 سجين سوري من السجون اللبنانية. أُبرم الاتفاق بحضور رئيس الوزراء نواف سلام ونائب رئيس الوزراء طارق متري، وجاء ثمرة أشهر من الانخراط الدبلوماسي المتواصل بين بيروت ودمشق. وبعد أيام ذهب وزير العدل السوري مظهر الويس أبعد من ذلك، معلناً أن دمشق ستسعى إلى تسلّم الرئيس السابق بشار الأسد نفسه و«جميع المتورطين معه» عبر ما وصفه بمسار قانوني رسمي يُحمّل الدول مسؤولياتها القضائية والأخلاقية.

لا تملك الحكومة اللبنانية خطة للتعامل مع شخصيات النظام السابق المرتبطة بالأسد الموجودة في لبنان، وهذه اللامبالاة الرسمية باتت تحمل مخاطر متزايدة.

أظهر الاتفاق أن العمل عبر القنوات القانونية يتيح  للبنان وسوريا التوصل إلى تفاهمات بشأن ملفات حساسة، حتى تلك المثقلة بعقود من المظالم من الطرفين. لكنه أبرز أيضاً التباين الصارخ مع طريقة تعامل الحكومة اللبنانية مع المسألة الموازية المتعلقة بشخصيات النظام السابق الموجودة في البلاد، إذ لا توجد سياسة معلنة ولا إطار قانوني ولا استجابة مؤسسية واحدة. ومن الضروري أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى معالجة هذا الوضع، لكن ما يبقى غير واضح هو ما إذا كان بإمكانها القيام بذلك وفق شروطها ومن خلال إطار قانوني ومؤسسي متماسك، قبل أن تُفرض عليها الشروط من قوى تتجاوز سيطرتها.

الوضع يتجاوز مجرد الإهمال. فقد تلقى لبنان طلبات قانونية رسمية من فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة تطالبه باتخاذ إجراءات بحق أفراد أُدينوا أو وُجّهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، دون أن يرد على أي منها. كما تتعامل المؤسسات من الأجهزة الأمنية إلى القضاء والسلطة التنفيذية، مع أجزاء متفرقة من هذا الملف دون تنسيق، بما يفضي إلى مسارات متوازية لا تفضي إلى شيء. وفي هذه الأثناء وثّقت وسائل إعلام محلية ودولية وجود شبكات تمرّد ناشطة تعمل جزئياً انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، فيما يوزّع قادة سابقون في النظام الأموال ويجنّدون مقاتلين وينسّقون مع جنرالات منفيين في موسكو.

توصي هذه الورقة بأن يعتمد لبنان مقاربة مزدوجة المسار. فعلى المستوى الداخلي للحكومة أن ترد رسمياً على الطلبات القانونية العالقة وأن تضع إطاراً قانونياً يحدد المسؤولية المؤسسية عن تصنيف هؤلاء الأفراد وإدارة أوضاعهم، وأن تنقل عملية صنع القرار من الارتجال على مستوى الأجهزة إلى سياسة حكومية معلنة. أما على المستوى الدبلوماسي، يجب أن تسعى إلى تعاون ثنائي مع دمشق بالاستناد إلى نموذج إعادة السجناء، وأن تستكشف إمكان المغادرة المنظمة إلى دول ثالثة في حالات محددة – وهي آلية سبق للبنان أن استخدمها. ينبغي أن يسير هذان المساران بالتوازي، وأن يرتبطا بملفات سيادية أخرى مع سوريا وفي مقدمتها ملف السجناء، ضمن إطار ثنائي شامل لا بوصفهما استجابتين معزولتين لأزمة طارئة.

 

ضبابية المعلومات

في الأيام التي أعقبت سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أفادت صحيفة «نداء الوطن» اللبنانية بأن عدد ضباط الأمن والاستخبارات السوريين الذين فرّوا إلى لبنان يُقدَّر «بالآلاف» وأن حزب الله، بالتنسيق مع ضابط في الأمن العام اللبناني عند معبر المصنع الحدودي، سهّل دخول شخصيات بارزة من النظام كان من بينهم علي مملوك مستشار الأمن القومي للأسد، والذي ذكر التقرير أنه كان مختبئاً في الضاحية الجنوبية لبيروت تحت حماية حزب الله.

بعد أيام أفادت قناة الحدث السعودية بأن علي مملوك غادر عبر مطار رفيق الحريري الدولي متوجهاً إلى شمال العراق، قبل أن توثّق وكالة فرانس برس لاحقاً مغادرته العراق إلى روسيا. في المقابل نفى وزير الداخلية اللبناني أن يكون مملوك قد دخل البلاد عبر معبر حدودي رسمي.

تتفاقم ضبابية المشهد بفعل التحقيقات الإعلامية المتعددة، والتي تبدو موثوقة ظاهرياً لكنها متضاربة في مضمونها. ففي كانون الأول 2025 ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مسؤولين سوريين وغربيين يرجّحون وجود جميل حسن الرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية السورية، والذي يُعد من أبرز المطلوبين من جهاز أمن النظام السابق، في لبنان حيث يُعتقد أن شبكات مرتبطة بالجهاز الأمني السابق تعيد تنظيم صفوفها. في المقابل أفادت السلطات القضائية اللبنانية الصحيفة بأنها «لا تملك معلومات مؤكدة» حول مكان وجوده. وبعد عشرة أيام نشرت «نيويورك تايمز» تقريراً ذكر وجوده في موسكو نقلاً عن ثلاثة مصادر قالت إنها التقت به هناك.

وبذلك، ورغم استمرار الغموض الذي يحيط بتفاصيل وجود شخصيات النظام السوري في لبنان، فإن الصورة العامة التي تتبلور تشير إلى فئتين رئيسيتين. الأولى تضم شخصيات رفيعة المستوى استخدمت لبنان كنقطة عبور قبل الانتقال إلى وجهات أخرى، مع بقاء مسألة عودة بعضهم أو استمرار ارتباطهم بشبكات عملياتية عبر وسطاء لبنانيين غير محسومة. وقد أشارت «نيويورك تايمز» مثلاً إلى أن كمال الحسن، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية والمقيم حالياً في موسكو، سافر خلال العام الماضي للقاء متعاونين له في لبنان والعراق وسوريا.

أما الفئة الثانية فهي الأكثر إثارة للقلق من زاوية السيادة، وتضم قادة من المستويات الوسطى والميدانية يُرجَّح أنهم استقروا في شمال لبنان، ولا سيما ضمن المجتمعات العلوية في عكار ومنطقة جبل محسن، عقب أعمال أعمال العنف الطائفي التي استهدفت العلويين في الساحل السوري في آذار 2025. ويؤدي اندماج هؤلاء ضمن النسيج المحلي إلى تعقيد أي استجابة محتملة، إذ إن التعامل معهم لا يقتصر على الأبعاد القانونية والدبلوماسية بل يتطلب أيضاً مراعاة التوازنات السياسية والاجتماعية المحلية.

 

فراغ قانوني ومؤسسي

لا تُعدّ شخصيات النظام السوري السابق الموجودة في لبنان لاجئين، ولا يمكن التعامل معها بوصفها حالات إدارية عادية. فهي لا تندرج ضمن أي من الفئات القانونية التي يعتمدها لبنان عادةً لتنظيم وجود الأجانب على أراضيه. إلا أن هذه الفئة مشمولة بحماية القانون الدولي، بما يعني أنه لا يمكن ترحيلها أو احتجازها أو تسليمها من دون اتباع الأصول القانونية الواجبة.

وما يزيد تعقيد هذا الوضع بالنسبة للبنان هو تقاطع ثلاثة اعتبارات متنافسة في آن واحد. فمن جهة يمتلك لبنان حقاً سيادياً في تحديد من يُسمح له بالبقاء على أراضيه. ومن جهة ثانية تترتب عليه التزامات قانونية دولية في مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر نقل الأفراد إلى أماكن قد يتعرضون فيها للتعذيب أو الاضطهاد، فضلاً عن ضمان الحق في محاكمة عادلة. ومن جهة ثالثة يواجه ضغوطاً سياسية وأمنية مرتبطة بعلاقاته مع دمشق ومع الإقليم بشكل أوسع، وكذلك مع أطراف دولية. وبذلك، فإن أي إجراء (أو امتناع عن اتخاذ إجراء) تجاه هذه الشخصيات سيكون له بالضرورة انعكاسات تمس هذه الاعتبارات الثلاثة.

هذا الملف الحرج لا ينحصر في الإطار النظري، بل يتجسّد في تراكم الطلبات القانونية الرسمية التي تلقاها لبنان من دون أن يرد عليها. ففي تشرين الثاني 2025 قدّمت فرنسا طلباً قضائياً رسمياً إلى النائب العام التمييزي القاضي جمال حجار، طالبت فيه بالمساعدة في تعقّب وتوقيف ثلاثة من كبار مسؤولي الاستخبارات السابقين: جميل الحسن وعلي مملوك وعبد السلام محمود الرئيس السابق لفرع التحقيق في استخبارات القوات الجوية. ويأتي هذا الطلب في سياق قضية مستمرة، كانت فيها محكمة الجنايات في باريس (Cour d’assises) قد أصدرت في أيار 2024 حكماً غيابياً يدين الثلاثة بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، وتحديداً تعذيب وقتل مواطنين فرنسيين من أصل سوري كانوا محتجزين لدى جهاز المخابرات الجوية. كما تضمّن الطلب الفرنسي أرقام هواتف لبنانية يُعتقد أنها على تواصل منتظم مع المشتبه بهم، في إشارة إلى أن فرنسا ترى أن الوصول إليهم ممكن عبر شبكات داخل لبنان حتى وإن ظل موقعهم الفعلي غير محسوم.

وكان لبنان قد تلقى أيضاً سابقاً مذكرة عبر الإنتربول تطالب بتنفيذ مذكرة توقيف صادرة عن الولايات المتحدة بحق الحسن ومملوك. وفي اليوم التالي لسقوط نظام الأسد، كشفت السلطات الأميركية عن لوائح اتهام منفصلة بجرائم حرب بحق الحسن ومحمود. كذلك، كانت ألمانيا قد أصدرت مذكرة توقيف بحق الحسن في حزيران 2018 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ودعت وزارة الخارجية الأميركية آنذاك لبنان إلى تسهيل تسليمه إلى برلين، حين أفادت تقارير بأنه كان يتلقى العلاج في أحد المستشفيات اللبنانية. إلا أن لبنان لم يتحرك لتنفيذ المذكرة الألمانية في حينه، ولا تزال تحركات الحسن اللاحقة موضع خلاف.

هذه الطلبات الرسمية تأسس لالتزامات قانونية واضحة، إذ إن فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة لجأت جميعها إلى أدوات قضائية رسمية عبر قنوات معترف بها. ومع ذلك، لم تُنفّذ أي عمليات توقيف ولم تصدر أي قرارات رفض رسمية، ولم يُقدَّم أي تعليل قانوني علني لهذا الامتناع عن التحرك. هذا الصمت بحد ذاته سياسة، لكنه لا يرقى إلى موقف قانوني يمكن للبنان الدفاع عنه أمام أي طرف خارجي.

الصمت بحد ذاته سياسة، لكنه لا يرقى إلى موقف قانوني يمكن للبنان الدفاع عنه أمام أي طرف خارجي.

تكمن المشكلة الأعمق في غياب إطار قانوني وطني قادر على تصنيف هذه الفئة من الأفراد وتحديد مسار واضح للتعامل معها، وهو ما يتفاقم بتشتّت عملية صنع القرار بين مؤسسات تعمل وفق معلومات متباينة وأولويات مختلفة، ومن دون أي آلية تنسيق فعّالة. فالأجهزة الأمنية تنظر إلى الملف من زاوية المخاطر الآنية: ضبط الحركة ومنع التصعيد وإبقاء القضية خارج التداول الإعلامي. أما القضاء فيتعامل معه بوصفه مسألة تستدعي مسارات قانونية واضحة، لكنه يبقى مقيّداً في ظل غياب إحالات سياسية تحدد توجهات الدولة. في المقابل تخشى السلطة التنفيذية أن يؤدي أي تحرك حاسم (بأي اتجاه) إلى تفجير توترات داخلية أو فتح مواجهة دبلوماسية.

هذه المصالح المتباينة تُفضي إلى مقاربات متوازية – وأحياناً متناقضة. ففي كانون الأول 2024، ومع تداول تقارير إعلامية عن وصول شخصيات من النظام إلى بيروت، نفى وزير الداخلية دخول أي منها عبر المعابر الحدودية الرسمية. غير أن هذا النفي جاء بصيغة ضيقة، إذ اقتصر على المعابر القانونية دون أن ينفي وجودهم داخل البلاد. وبعد أيام أُعفي ضابط الأمن العام المسؤول عن معبر المصنع من مهامه بهدوء على خلفية علاقاته بشقيق الأسد، في إقرار ضمني بأن المعبر قد تم اختراقه رغم إصرار الحكومة العلني على العكس.

وبعد عام تكرّر النمط على مستوى أعلى. ففي 2 كانون الثاني 2026 أعرب نائب رئيس الوزراء طارق متري عن قلقه إزاء تقارير تفيد بأن شخصيات من النظام السوري السابق تنشط ضد دمشق انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، داعياً الأجهزة الأمنية إلى التحقق واتخاذ الإجراءات اللازمة. وبعد تسعة أيام صرّح الرئيس جوزيف عون بأن المداهمات لم تسفر عن أي دليل على وجود ضباط من النظام السابق في البلاد. وفي الوقت نفسه أوقف الجيش 38 سورياً بتهم من بينها الدخول غير الشرعي وحيازة أسلحة، من دون أن يكون أي منهم من الشخصيات المعنية مباشرة بهذا الملف.

بالتوازي مع كل ذلك اتخذ القضاء مساراً منفصلاً. إذ تم تكليف النائب العام التمييزي القاضي جمال حجار رسمياً في تشرين الثاني 2025 بمتابعة الطلب الفرنسي، كما طُلب من شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي التحقق من وجود المشتبه بهم في لبنان، من دون أن تُعلن أي نتائج رسمية حتى الآن.

أما على مستوى التنسيق الأمني الثنائي، فكانت هناك قناة أخرى تعمل بالكامل خارج المجال العام. إذ التقى مسؤولون سوريون بنظرائهم اللبنانيين في كانون الأول 2025، وقدموا لائحة تضم نحو 200 شخص مطلوبين للتسليم والملاحقة. وقد أكد مسؤولون لبنانيون حصول هذه الاجتماعات، لكنهم سعوا إلى التقليل من أهميتها ونطاقها.

ما يكشفه هذا التسلسل هو منظومة مؤسساتية يتحرك كل جزء فيها على حدة، من دون أن يبلغ أي منها مستوى الفعل الكافي، ومن دون أي تنسيق جامع بينها. تعبّر السلطة التنفيذية عن القلق، لكنها تُحيل الملف إلى الأجهزة الأمنية. تُنفّذ هذه الأجهزة مداهمات، من دون أن تُفضي إلى معالجة جوهر المسألة. يباشر القضاء النظر في طلبات قانونية خارجية، من دون أن يصدر عنها أي نتائج علنية. وفي الوقت نفسه، تُعقد اللقاءات مع الجانب السوري عبر قنوات غير رسمية، من دون أن تنتج أي التزامات قابلة للتنفيذ.

تتعامل المؤسسات من الأجهزة الأمنية إلى القضاء والسلطة التنفيذية، مع أجزاء متفرقة من هذا الملف دون تنسيق، بما يفضي إلى مسارات متوازية لا تفضي إلى شيء.

كما أن مبدأ عدم الإعادة القسرية يضيف قيوداً إضافية. فلا يجوز للبنان ترحيل أفراد إلى جهات قد يتعرضون فيها لمعاملة تنتهك القانون الدولي الإنساني. وهو مبدأ مشروع، يفترض أن يُعالج ضمن إطار قانوني وطني واضح يضمن الأصول الواجبة. إلا أنه في غياب مثل هذا الإطار يتحول من ضمانة قانونية إلى ذريعة للتعطيل، ويستخدم بشكل انتقائي دون أن يُختبر عبر مسارات قضائية رسمية.

الدولة التي تفتقر إلى موقف معلن ومعايير واضحة أكثر عرضة للضغوط الخارجية، لأنها تعجز عن تبرير قراراتها بوصفها تطبيقاً لقواعد عامة، وتبدو وكأنها تستجيب لتوازنات ظرفية وضغوط متقلبة. وفي ملف بالغ الحساسية كملاحقة مشتبه بهم بارتكاب جرائم حرب يسعون إلى زعزعة استقرار دولة مجاورة، قد يبدو الغموض وسيلة لاحتواء التوتر مؤقتاً، لكنه في الواقع يتيح للتداعيات المحتملة أن تتراكم وتتفاقم بصمت.

 

المشهد من دمشق وما بعدها

تتجه الأنظار اليوم إلى كيفية تعامل لبنان مع هذا الملف. فالسلطات السورية الجديدة تنظر إلى وجود شخصيات من عهد الأسد في لبنان من زاوية إعادة ترسيخ سيطرة الدولة المركزية بعد انهيار النظام. وبالنسبة لدمشق يرتبط وجود شخصيات من النظام السابق خارج الأراضي السورية بشرعية السلطة الجديدة وبقدرتها على احتكار المجالين السياسي والأمني. وقد ازدادت أهمية هذا البعد مع سعي الحكومة إلى تثبيت نفوذها عبر مختلف الجغرافيا السورية.

تعرّضت هذه الجهود لاختبار عنيف في آذار 2025 حين شنّت قوات أمنية تابعة للنظام السابق هجوماً منسقاً على قوات حكومية في المحافظات الساحلية. أدى الهجوم إلى موجة من أعمال القتل ذات طابع طائفي أسفرت عن مقتل أكثر من 1400 شخص، غالبيتهم من المدنيين العلويين. وشكّل هذا الحدث نقطة تعبئة للضباط السابقين في المنفى وعزّز مخاوف دمشق من إعادة تشكّل شبكات النظام السابق عبر الحدود السورية-اللبناية.

ثم في كانون الأول 2025 أفادت «نيويورك تايمز» بأنها تعقّبت 55 من عناصر النظام السابق إلى مواقع في روسيا والإمارات ولبنان وسوريا. كما كشف تحقيق لـ«الجزيرة» أن سهيل الحسن القائد السابق لوحدة «قوات النمر» أنشأ مكتباً في قرية الحيصة في سهل عكار قرب الحدود اللبنانية السورية لإدارة عمليات عسكرية داخل سوريا. وأظهرت وثائق مسّربة أن عدد المقاتلين المرتبطين بشبكات موالية للنظام السابق يبلغ نحو 168 ألف موزعين بين حمص وحماة ودمشق والساحل، مع خرائط انتشار وقوائم للأسلحة. كما أفادت التقارير أن غياث دلا، وهو عميد سابق يُعتقد أنه موجود في لبنان، كان يوزّع رواتب شهرية على مقاتلين وقادة محتملين نيابة عن سهيل الحسن. وكشف تحقيق لوكالة رويترز عن شبكات متنافسة تنشط انطلاقاً من موسكو، حيث سعى كل من كمال حسن الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية ورامي مخلوف الملياردير وابن عم الأسد، إلى بناء تشكيلات مسلحة متنافسة ضمن البيئة العلوية في سوريا عبر شبكات يعمل وكلاؤها في روسيا ولبنان والإمارات. كما رصد التحقيق استخدام وسطاء في لبنان لتحويل أموال تهدف إلى تأجيج الاضطرابات في الساحل السوري.

أما ردّ دمشق على هذا الواقع فقد جاء عبر مسارين متوازيين. فعلى الصعيد الدبلوماسي قام وزير العدل السوري بزيارة بيروت في تشرين الأول 2025 داعياً السلطات اللبنانية إلى تسليم مسؤولين سابقين في النظام ضمن إطار تعاون قضائي أوسع. وعلى المسار الأمني عقد مسؤولون سوريون لقاءات مع نظرائهم اللبنانيين في بيروت في كانون الأول 2025 قدّموا خلالها لائحة بأسماء مطلوبين وناقشوا إمكانات الملاحقة أو التسليم.

تأطير هذا الملف بوصفه “تعاوناً” لا مواجهة يشير إلى إدراك دمشق أن الضغوط المباشرة قد تأتي بنتائج عكسية. غير أن أي مقاربة لبنانية تتجاهل سعي دمشق إلى تثبيت سلطة الدولة ستُقرأ في الحد الأدنى على أنها تقصير، وفي الحد الأقصى كمحاولة للاحتفاظ بأوراق نفوذ.

أما المسار الأوروبي فهو الأكثر تطوراً من الناحية القانونية. فالإدانة الصادرة عن القضاء الفرنسي، والطلب الرسمي المقدّم إلى النائب العام التمييزي ومذكرات الإنتربول ومذكرة التوقيف الألمانية، ولوائح الاتهام الأميركية بجرائم حرب، تشكّل جملة من الالتزامات القانونية التي لم ينفذها لبنان ولم يطعن بها رسمياً. وبالنسبة للحكومات الأوروبية بات من الصعب التمييز بين صمت لبنان والتواطؤ، لا سيما بعد فرض الاتحاد الأوروبي عقوبات جديدة على شخصيات مثل دلا على خلفية تورطها في أحداث آذار 2025.

في ملف بهذه الحساسية، كملاحقة مشتبه بهم بارتكاب جرائم حرب يسعون إلى زعزعة استقرار دولة مجاورة، قد يبدو الغموض وسيلة لاحتواء التوتر مؤقتاً، لكنه في الواقع يتيح للتداعيات أن تتفاقم بصمت.

في المقابل، سلكت دول الخليج مساراً أكثر تحفظاً. إذ فرضت الإمارات على بعض الشخصيات السورية الفارّة التزامات بعدم الإدلاء بتصريحات سياسية، دون أن تمنعها من الاستقرار أو الاستثمار. ويُعدّ ذلك شكلاً من “التسامح المُدار” لا مساءلة فعلية، وهو نموذج لا يمكن للبنان التعويل عليه نظراً لتداخله الجغرافي مع سوريا وتأثره المباشر بالأنشطة العملياتية لهذه الشبكات.

إن تقاعس لبنان موقف هش ويزداد هشاشة.

ويبرز أيضاً مسار ضغط أقل وضوحاً لكنه ذو دلالة محتملة. فقد أفادت «نيويورك تايمز» بأن كمال حسن يقف وراء منظمة مقرها بيروت تُدعى «تنمية غرب سوريا» (Western Syria Development) والتي تعاقدت مع شركة اللوبي الأميركية Tiger Hill Partners ومع جوزيف إي. شميتز المستشار السابق لدونالد ترامب والمدير التنفيذي السابق لشركة Blackwater بموجب عقد بقيمة مليون دولار، للضغط على المشرعين الأميركيين من أجل توفير حماية دولية للساحل العلوي في سوريا. وقد نشرت المنظمة عبر حساباتها على وسائل التواصل الاجتماعي معلومات عن اجتماعات عقدتها مع مكاتب ستة أعضاء في الكونغرس. وأفاد دبلوماسيون في سوريا للصحيفة بأن هذا المسار يثير قلقاً يفوق حتى مخططات التمرد، نظراً لإمكان أن يؤدي تدريجياً إلى طرح فكرة منطقة شبه مستقلة، وهو تطور ستكون له انعكاسات مباشرة على أمن الحدود اللبنانية وعلى علاقة لبنان بدمشق.

 

توصيات السياسات

إن تقاعس لبنان موقف هش ويزداد هشاشة. فالصمت البيروقراطي لا يُرضي أي جهة خارجية ولا يوفر أي غطاء قانوني، ويجعل الدولة عرضة للضغوط من كل جانب. توصي هذه الورقة باعتماد مقاربة مزدوجة المسار (داخلي ودبلوماسي) تُنفّذ بالتوازي وتُدمج ضمن إطار شامل لإدارة الملفات السيادية بين لبنان وسوريا.

 

المسار الداخلي

الرد الرسمي على الطلبات القانونية العالقة: على الحكومة اللبنانية أن توجّه النائب العام التمييزي القاضي جمال حجار، والمكلّف أصلاً بمتابعة الطلب الفرنسي، إلى إصدار رد رسمي على مجمل الأدوات القانونية القائمة: الطلب الفرنسي ومذكرات الإنتربول ومذكرة التوقيف الألمانية. والردّ الرسمي لا يعني الامتثال لكل ما يرد في هذه الطلبات، إذ يمكن للبنان أن يثير اعتراضات إجرائية مشروعة أو طلب أدلة إضافية أو تحديد الخطوات التي ينوي اتخاذها. لكن ما لا يمكن الاستمرار فيه هو الصمت. فالصمت ليس موقفاً قانونياً، أما الرد القانوني الواضح وإن كان حذراً فهو يمنح لبنان أساساً يمكن الاستناد إليه. وغياب أي ردّ اليوم هو ما يتيح لفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الادعاء بأن طلباتها قد أُهملت من دون مبرر، وهو ادعاء لا يملك لبنان حالياً أسساً لمواجهته.

إرساء إطار قانوني وطني: لبنان بحاجة قرار سياسي واضح يُسند مسؤولية هذا الملف إلى جهة مؤسسية واحدة، يحدد معايير تصنيف الأفراد المعنيين ويبيّن أشكال الرقابة القضائية التي تحكم قرارات الاحتجاز أو الإقامة أو النقل. هذا لا يستدعي بالضرورة إصدار تشريعات جديدة في المرحلة الأولى بل حسم الجهة المخوّلة واتساق الأسس التي تستند إليها. فالوضع القائم حيث تتعامل الأجهزة الأمنية والقضاء والسلطة التنفيذية مع أجزاء متفرقة من الملف من دون تنسيق، يشكّل السبب الأساسي لحالة الشلل المؤسسي التي تعالجها هذه الورقة. ودون معالجة هذا الخلل سيستمر لبنان بإنتاج أنماط متناقضة في التعاطي مع القضية.

نقل صنع القرار من الارتجال المؤسسي إلى سياسة حكومية معلنة: يُدار ملف شخصيات النظام حالياً عند أدنى مستوى مؤسسي، عبر قنوات أمنية غير رسمية تفتقر إلى تفويض واضح أو مساءلة قانونية. بالتالي، ورغم تعقيد الملف، فإن اعتماد سياسة حكومية معلنة يوفر للبنان أساساً أكثر متانة للدفاع عن خياراته محلياً ودولياً، مقارنة بالصمت البيروقراطي الراهن. كما يتيح هذا التحول ربط الملف بغيره من الملفات السيادية ولا سيما ملف السجناء، ضمن مقاربة شاملة للعلاقة مع دمشق، بدلاً من إدارة كل ملف كأزمة منفصلة تُعالج بصورة ظرفية.

رغم تعقيد الملف، فإن اعتماد سياسة حكومية معلنة يوفر للبنان أساساً أكثر متانة للدفاع عن خياراته محلياً ودولياً، مقارنة بالصمت البيروقراطي الراهن.

المسار الدبلوماسي

تعزيز التعاون الثنائي مع دمشق، بالاستناد إلى نموذج إعادة السجناء: يُظهر اتفاق السجناء المُبرم في شباط 2026 أن التوصل إلى تفاهمات قانونية بين لبنان وسوريا ممكن عندما تتوافر مصلحة متبادلة. ويقدّم هذا الإطار الذي جرى التفاوض عليه عبر قنوات دبلوماسية وبمشاركة وزارية نموذجاً يمكن البناء عليه لمعالجة الملف الأكثر حساسية المتعلق بشخصيات النظام السابق، شرط أن يتضمن ضمانات قضائية كافية. أبدت دمشق استعدادها للعمل عبر مسارات قانونية بدلاً من فرض شروط أحادية، فيما تكمن مصلحة لبنان في أن تتم أي عمليات نقل ضمن إطار يمكن تبريره علناً. كما أن إدراج هذا الملف ضمن سياق العلاقة الثنائية الأوسع بدلاً من التعامل معه كملف معزول، قد يوسّع هامش التفاوض المتاح للبنان.

استكشاف خيار الترحيل المنظّم إلى دول ثالثة في حالات محددة: لا يقتصر الخيار أمام لبنان على التسليم إلى دمشق أو إبقاء الأفراد في حالة فراغ قانوني مفتوح. ثمة مسار ثالث يتمثل في تسهيل مغادرتهم إلى دول تقبل استقبالهم، سواء للمحاكمة أو لإجراءات اللجوء أو غيرها من المسارات القانونية. ولدى لبنان سابقة في هذا المجال. ففي عام 1969 وصل تيمور بختيار مسؤول جهاز السافاك عهد الشاه إلى بيروت. وقد وازنت السلطات اللبنانية حينها بين المخاطر السياسية لاستضافة شخصية مطلوبة من السلطة في إيران، وبين التزاماتها القانونية، ولا سيما مبدأ عدم الإعادة القسرية. وفي نهاية الأمر سُمح له بالمغادرة إلى العراق. وقد شكّل ذلك مثالاً على مغادرة منظّمة إلى دولة ثالثة توازن بين سيادة لبنان والتزاماته الدولية، وتخفّف في الوقت نفسه من الضغوط السياسية على أراضيه. هذه الآلية متاحة من حيث المبدأ وقابلة للتبرير قانونياً، لكنها تتطلب عملاً دبلوماسياً تمهيدياً لم يُباشَر به حتى الآن.

هذه التوصيات لا تُلغي المخاطر السياسية. إذ أن التجاوب مع الطلب الفرنسي قد يثير اعتراض جهات تفضّل الإبقاء على الوضع القائم. كما أن إرساء إطار داخلي يتطلب تنسيقاً مؤسسياً تصطدم به طبيعة النظام السياسي في لبنان. ويثير التعاون مع دمشق تساؤلات تتعلق بضمانات المحاكمة العادلة. أما تسهيل المغادرة إلى دول ثالثة فيتطلب جهداً دبلوماسياً يستغرق وقتاً. غير أن كلفة هذه الخيارات تبقى أقل من كلفة الاستمرار في النهج الحالي الذي يقوّض مصداقية لبنان ويعرّضه لضغوط خارجية متصاعدة، ويتيح استخدام أراضيه في أنشطة تهدّد بشكل مباشر استقرار دولة مجاورة.

المواضيع ذات الصلة