أظهر الاتفاق أن العمل عبر القنوات القانونية يتيح للبنان وسوريا التوصل إلى تفاهمات بشأن ملفات حساسة، حتى تلك المثقلة بعقود من المظالم من الطرفين. لكنه أبرز أيضاً التباين الصارخ مع طريقة تعامل الحكومة اللبنانية مع المسألة الموازية المتعلقة بشخصيات النظام السابق الموجودة في البلاد، إذ لا توجد سياسة معلنة ولا إطار قانوني ولا استجابة مؤسسية واحدة. ومن الضروري أن تبادر الحكومة اللبنانية إلى معالجة هذا الوضع، لكن ما يبقى غير واضح هو ما إذا كان بإمكانها القيام بذلك وفق شروطها ومن خلال إطار قانوني ومؤسسي متماسك، قبل أن تُفرض عليها الشروط من قوى تتجاوز سيطرتها.
الوضع يتجاوز مجرد الإهمال. فقد تلقى لبنان طلبات قانونية رسمية من فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة تطالبه باتخاذ إجراءات بحق أفراد أُدينوا أو وُجّهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، دون أن يرد على أي منها. كما تتعامل المؤسسات من الأجهزة الأمنية إلى القضاء والسلطة التنفيذية، مع أجزاء متفرقة من هذا الملف دون تنسيق، بما يفضي إلى مسارات متوازية لا تفضي إلى شيء. وفي هذه الأثناء وثّقت وسائل إعلام محلية ودولية وجود شبكات تمرّد ناشطة تعمل جزئياً انطلاقاً من الأراضي اللبنانية، فيما يوزّع قادة سابقون في النظام الأموال ويجنّدون مقاتلين وينسّقون مع جنرالات منفيين في موسكو.
توصي هذه الورقة بأن يعتمد لبنان مقاربة مزدوجة المسار. فعلى المستوى الداخلي للحكومة أن ترد رسمياً على الطلبات القانونية العالقة وأن تضع إطاراً قانونياً يحدد المسؤولية المؤسسية عن تصنيف هؤلاء الأفراد وإدارة أوضاعهم، وأن تنقل عملية صنع القرار من الارتجال على مستوى الأجهزة إلى سياسة حكومية معلنة. أما على المستوى الدبلوماسي، يجب أن تسعى إلى تعاون ثنائي مع دمشق بالاستناد إلى نموذج إعادة السجناء، وأن تستكشف إمكان المغادرة المنظمة إلى دول ثالثة في حالات محددة – وهي آلية سبق للبنان أن استخدمها. ينبغي أن يسير هذان المساران بالتوازي، وأن يرتبطا بملفات سيادية أخرى مع سوريا وفي مقدمتها ملف السجناء، ضمن إطار ثنائي شامل لا بوصفهما استجابتين معزولتين لأزمة طارئة.
ضبابية المعلومات
في الأيام التي أعقبت سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، أفادت صحيفة «نداء الوطن» اللبنانية بأن عدد ضباط الأمن والاستخبارات السوريين الذين فرّوا إلى لبنان يُقدَّر «بالآلاف» وأن حزب الله، بالتنسيق مع ضابط في الأمن العام اللبناني عند معبر المصنع الحدودي، سهّل دخول شخصيات بارزة من النظام كان من بينهم علي مملوك مستشار الأمن القومي للأسد، والذي ذكر التقرير أنه كان مختبئاً في الضاحية الجنوبية لبيروت تحت حماية حزب الله.
بعد أيام أفادت قناة الحدث السعودية بأن علي مملوك غادر عبر مطار رفيق الحريري الدولي متوجهاً إلى شمال العراق، قبل أن توثّق وكالة فرانس برس لاحقاً مغادرته العراق إلى روسيا. في المقابل نفى وزير الداخلية اللبناني أن يكون مملوك قد دخل البلاد عبر معبر حدودي رسمي.
تتفاقم ضبابية المشهد بفعل التحقيقات الإعلامية المتعددة، والتي تبدو موثوقة ظاهرياً لكنها متضاربة في مضمونها. ففي كانون الأول 2025 ذكرت صحيفة «وول ستريت جورنال» أن مسؤولين سوريين وغربيين يرجّحون وجود جميل حسن الرئيس السابق لجهاز المخابرات الجوية السورية، والذي يُعد من أبرز المطلوبين من جهاز أمن النظام السابق، في لبنان حيث يُعتقد أن شبكات مرتبطة بالجهاز الأمني السابق تعيد تنظيم صفوفها. في المقابل أفادت السلطات القضائية اللبنانية الصحيفة بأنها «لا تملك معلومات مؤكدة» حول مكان وجوده. وبعد عشرة أيام نشرت «نيويورك تايمز» تقريراً ذكر وجوده في موسكو نقلاً عن ثلاثة مصادر قالت إنها التقت به هناك.
وبذلك، ورغم استمرار الغموض الذي يحيط بتفاصيل وجود شخصيات النظام السوري في لبنان، فإن الصورة العامة التي تتبلور تشير إلى فئتين رئيسيتين. الأولى تضم شخصيات رفيعة المستوى استخدمت لبنان كنقطة عبور قبل الانتقال إلى وجهات أخرى، مع بقاء مسألة عودة بعضهم أو استمرار ارتباطهم بشبكات عملياتية عبر وسطاء لبنانيين غير محسومة. وقد أشارت «نيويورك تايمز» مثلاً إلى أن كمال الحسن، الرئيس السابق للاستخبارات العسكرية والمقيم حالياً في موسكو، سافر خلال العام الماضي للقاء متعاونين له في لبنان والعراق وسوريا.
أما الفئة الثانية فهي الأكثر إثارة للقلق من زاوية السيادة، وتضم قادة من المستويات الوسطى والميدانية يُرجَّح أنهم استقروا في شمال لبنان، ولا سيما ضمن المجتمعات العلوية في عكار ومنطقة جبل محسن، عقب أعمال أعمال العنف الطائفي التي استهدفت العلويين في الساحل السوري في آذار 2025. ويؤدي اندماج هؤلاء ضمن النسيج المحلي إلى تعقيد أي استجابة محتملة، إذ إن التعامل معهم لا يقتصر على الأبعاد القانونية والدبلوماسية بل يتطلب أيضاً مراعاة التوازنات السياسية والاجتماعية المحلية.
فراغ قانوني ومؤسسي
لا تُعدّ شخصيات النظام السوري السابق الموجودة في لبنان لاجئين، ولا يمكن التعامل معها بوصفها حالات إدارية عادية. فهي لا تندرج ضمن أي من الفئات القانونية التي يعتمدها لبنان عادةً لتنظيم وجود الأجانب على أراضيه. إلا أن هذه الفئة مشمولة بحماية القانون الدولي، بما يعني أنه لا يمكن ترحيلها أو احتجازها أو تسليمها من دون اتباع الأصول القانونية الواجبة.
وما يزيد تعقيد هذا الوضع بالنسبة للبنان هو تقاطع ثلاثة اعتبارات متنافسة في آن واحد. فمن جهة يمتلك لبنان حقاً سيادياً في تحديد من يُسمح له بالبقاء على أراضيه. ومن جهة ثانية تترتب عليه التزامات قانونية دولية في مقدمتها مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يحظر نقل الأفراد إلى أماكن قد يتعرضون فيها للتعذيب أو الاضطهاد، فضلاً عن ضمان الحق في محاكمة عادلة. ومن جهة ثالثة يواجه ضغوطاً سياسية وأمنية مرتبطة بعلاقاته مع دمشق ومع الإقليم بشكل أوسع، وكذلك مع أطراف دولية. وبذلك، فإن أي إجراء (أو امتناع عن اتخاذ إجراء) تجاه هذه الشخصيات سيكون له بالضرورة انعكاسات تمس هذه الاعتبارات الثلاثة.
هذا الملف الحرج لا ينحصر في الإطار النظري، بل يتجسّد في تراكم الطلبات القانونية الرسمية التي تلقاها لبنان من دون أن يرد عليها. ففي تشرين الثاني 2025 قدّمت فرنسا طلباً قضائياً رسمياً إلى النائب العام التمييزي القاضي جمال حجار، طالبت فيه بالمساعدة في تعقّب وتوقيف ثلاثة من كبار مسؤولي الاستخبارات السابقين: جميل الحسن وعلي مملوك وعبد السلام محمود الرئيس السابق لفرع التحقيق في استخبارات القوات الجوية. ويأتي هذا الطلب في سياق قضية مستمرة، كانت فيها محكمة الجنايات في باريس (Cour d’assises) قد أصدرت في أيار 2024 حكماً غيابياً يدين الثلاثة بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، وتحديداً تعذيب وقتل مواطنين فرنسيين من أصل سوري كانوا محتجزين لدى جهاز المخابرات الجوية. كما تضمّن الطلب الفرنسي أرقام هواتف لبنانية يُعتقد أنها على تواصل منتظم مع المشتبه بهم، في إشارة إلى أن فرنسا ترى أن الوصول إليهم ممكن عبر شبكات داخل لبنان حتى وإن ظل موقعهم الفعلي غير محسوم.
وكان لبنان قد تلقى أيضاً سابقاً مذكرة عبر الإنتربول تطالب بتنفيذ مذكرة توقيف صادرة عن الولايات المتحدة بحق الحسن ومملوك. وفي اليوم التالي لسقوط نظام الأسد، كشفت السلطات الأميركية عن لوائح اتهام منفصلة بجرائم حرب بحق الحسن ومحمود. كذلك، كانت ألمانيا قد أصدرت مذكرة توقيف بحق الحسن في حزيران 2018 بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، ودعت وزارة الخارجية الأميركية آنذاك لبنان إلى تسهيل تسليمه إلى برلين، حين أفادت تقارير بأنه كان يتلقى العلاج في أحد المستشفيات اللبنانية. إلا أن لبنان لم يتحرك لتنفيذ المذكرة الألمانية في حينه، ولا تزال تحركات الحسن اللاحقة موضع خلاف.
هذه الطلبات الرسمية تأسس لالتزامات قانونية واضحة، إذ إن فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة لجأت جميعها إلى أدوات قضائية رسمية عبر قنوات معترف بها. ومع ذلك، لم تُنفّذ أي عمليات توقيف ولم تصدر أي قرارات رفض رسمية، ولم يُقدَّم أي تعليل قانوني علني لهذا الامتناع عن التحرك. هذا الصمت بحد ذاته سياسة، لكنه لا يرقى إلى موقف قانوني يمكن للبنان الدفاع عنه أمام أي طرف خارجي.