وما يزيد المشهد تعقيداً هو أن حاكم دمشق الجديد، أحمد الشرع، وبرغم نجاحه النسبي في إدارة توازن حذر على الصعيد الخارجي، عجز عن إنتاج “ثوبٍ رمزي” جديد لدمشق؛ رؤيةٌ تتجاوز الطائفة وتستعيد معنى العيش المشترك، أو تمنح الأكثريات والأقليات إطاراً جامعاً ينظّم وجودهم في دولة واحدة. وهكذا بدت دمشق، التي كانت عبر القرون مركزاً للمعنى وموئلاً لفقه مشرقي واسع، مدينةً بلا سردية، بلا محراب رمزي، وبلا مشروع روحي أو سياسي يلمّ شتات السوريين والمنطقة. نحو قبلةٍ روحية جديدة للمشرق إنّ القراءة الهادئة لمسار الإسلام الشامي- من إرث ابن عربي إلى الصراع الطائفي الحالي، ومن توازن العثمانيين إلى فوضى ما بعد الاستعمار- هو أنّ المشرق لا يعاني فقط من أزمة سياسية أو جيوسياسية فحسب، بل من أزمة فقهية–روحية تضرب جوهر تصوّر الإسلام في هذه المنطقة.
لم يكن ابن عربي مجرّد متصوّف، بل كان مهندساً لمنظومة تُدرك أنّ التعدّد شرطٌ للوحدة، وأنّ الشريعة لا تستقيم من دون سعة التصوّر. وحين تخلّى المشرق عن هذا الإرث، وورث بدلاً منه حرفيةً صراعية تتغذّى على الخوف والفرز والتكفير، انهار المركز الروحي الذي وحّد لقرون بين دمشق والأناضول والجبل.
إنّ مستقبل المنطقة لن تقرّره الجيوش، ولا خطوط الترسيم، ولا المؤتمرات التي تُعقد في العواصم الأجنبية، بل سيُصاغ في سؤال واحد: أيّ إسلامٍ سيحكم الشام والعراق وديار بكر واسطنبول؟ الإسلام الذي يرى التعدّد تهديداً، أم الإسلام الذي يرى في التعدّد وجهاً من وجوه الحقيقة؟ لقد أدرك أسلافنا أي الطريقين أصلح، ولذلك وضعوا ابن عربي في قلب مخيالهم السياسي، وجعلوا من دمشق محراباً للوحدة قبل أن تكون مركزاً للسلطة. وإن كان الغبار قد غطى اليوم تلك الفكرة، فإنّ على المشرق- علماء وصُنّاع سياساته ونخبه- أن يزيحوه مرّةً أخرى، وأن نستعيد القبلة الروحية التي ضاعت بين فقه الإقصاء وتطييف السياسة.
فإما أن نعيد إحياء سعة التصوّر، أو نستعدّ لقرنٍ آخر من الفتن!
الهوامش:
[1] انظر هامش الرسالة الموسومة بنهر الجمان في شرح غريب أيات القران للسيد الأمير جمال الدين عبدالله التنوخي. تحقيق الشيخ فرحان العريضي والقاضي ربيع زهرالدين.
[2] يشير الباحث حسين يلماز، أستاذ الفكر السياسي في جامعة جورجتاون وأحد أبرز الدارسين للمخيّلة السياسية العثمانية، إلى أنّ التحوّل الفكري الذي شهده القرن السادس عشر لم يكن تحوّلاً سياسياً فحسب، بل كان انعطافة ميتافيزيقية أعادت تعريف معنى الخلافة والسلطة في العالم العثماني. ففي كتابه المهم «الخلافة المعاد تعريفها: الانعطافة الصوفية في الفكر السياسي العثماني» (Caliphate Redefined: The Mystical Turn in Ottoman Political Thought, 2018)، الصادر عن دار برنستون للنشر، يوضّح يلماز كيف تبنّى العثمانيون عناصر أساسية من التراث الأكبري لابن عربي، وحوّلوها إلى بنيةٍ سياسية وأخلاقية تبرّر فكرة الإمامة الجامعة وتوحيد المذاهب والمدن والأقاليم تحت مركزية واحدة. وبحسب يلماز، فإنّ هذا الامتزاج بين التصوّف الأكبري والشرعية السياسية هو ما سمح للعثمانيين بإنتاج تصور جديد عن الخلافة لا يقوم على القوة وحدها، بل على رؤية توحيدية تجعل السلطنة تجسيداً لـ”وحدة الوجود” في المجال السياسي. وهذا التحليل يفتح الباب لفهم أعمق لسياسات سليم الأول وتجلّياتها الرمزية — ومنها إحياء ضريح ابن عربي — بوصفها جزءاً من هندسة روحية للدولة، لا مجرد قرار إداري أو معمار ديني. رابط الكتاب عبر Princeton University Press: https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691174808/caliphate-redefined?srsltid=AfmBOorIqs9wmJH-FNuWAy4gaiZW57racCfMG5CO2RvvO_FBUdcROWBt
[3] أحمد حمدون زيلدزيتش، الصديق والعدو: الاستقبال العثماني المبكر لابن عربي، أطروحة دكتوراه، جامعة كاليفورنيا – بركلي، 2012. متاح عبر الرابط https://escholarship.org/uc/item/6jn6f796
[4] إكرم بُغرا إكينجي، “السلاطين العظام على عرش الدولة العثمانية: السلطان سليم الأول”، ديلي صباح، قسم الفنون، 2017. https://www.dailysabah.com/arts/portrait/mighty-sovereigns-of-ottoman-throne-sultan-selim-i
[5] ويليام تشيتيك، طريق المعرفة الصوفي: ميتافيزيقا الخيال عند ابن عربي، (ألباني: منشورات جامعة ولاية نيويورك – SUNY Press، 1989). https://www.amazon.com/Sufi-Path-Knowledge-Metaphysics-Imagination/dp/0887068855
[6]انظر أيضا، يحيى ميشو، «موقف ابن تيمية من الجهاد»، The Muslim World، 89 (1999)
[7] «أردوغان يضع عباءة السلطان سليم الأول على ضريحه»، ترك برس (TurkPress)، 6 آب/أغسطس 2017، https://www.turkpress.co/node/33502
[8] ولعلّ المؤرّخ مايكل بروفنس، صاحب كتاب الجيل العثماني الأخير، كان ليجد في هذا المشهد ما يؤكّد أطروحته المركزية: أنّ النخب العثمانية لم تُشكّل فقط ملامح المشرق في مرحلة ما بعد الاستعمار، بل إنّ أثرها السياسي–الاجتماعي ما زال يعمل بقوة في الحاضر ويمتدّ إلى المستقبل. فالحركات، والزعامات، والرموز التي تتقدّم اليوم في تركيا ولبنان وسوريا —تتحرّك داخل فضاءٍ تاريخي لا يزال مشدوداً إلى منظومات الأفكار التي صاغها العثمانيون حول الجامعة الإسلامية، وتوازن الأقليات، ووحدة المشرق. فان ما سمّاه بروفنس ب “آخر جيل عثماني” لم يختفِ فعلاً؛ بل تحوّل إلى بُنيةٍ عقلية وسياسية تتجدّد في كل منعطف وتعيد إنتاج نفسها عبر تحالفات جديدة ورموز جديدة.